الخميس، 14 مايو 2009

الخرطوم وانجمينا .. رحنا أم اتينا .. !!

الخرطوم وانجمينا .. رحنا أم اتينا .. !!

تقرير : التقي محمد عثمان


وقّع السودان وتشاد اتفاقا جديدا لتطبيع العلاقات بينهما للمرة السادسة في غضون ثلاث سنوات، بمعدل اتفاق لكل ستة اشهر، لينفتح الباب للتساؤل حول حظوظه من التنفيذ وتحقيق نتائج على ارض الواقع المستعرة بين البلدين لآماد، وحظوظه المضادة من التقاعس وما اذا كان سيندرج في خانة العهود والمواثيق المنقوضة عقب التوقيع عليها مباشرة .
اذ تشير الوقائع القريبة والغريبة الى توقيع خمس اتفاقيات سابقة اولها اتفاق طرابلس الموقع في الثامن من فبراير 2006 ، ثم اتفاق الخرطوم الإطاري والبروتوكولات الملحقة يوم 28 أغسطس ،2006 ثم إعلان كان يوم 15 فبراير2007، ثم اتفاق الرياض في الثالث من مايو 2007، واخيرا اتفاق داكار في 14مارس 2008 ، فضلا عن لقاءات قمة أُظهرت فيها النيات الحسنة وبذلت فيها الوعود باشاعة السلام بين البلدين، ولم يقد كل توقيع الا الى توقيع آخر، مما عده مراقبون من الظواهر النادرة في العلاقات الدولية.
وتأتي اهمية تلافي اوجه التأزم بين الخرطوم وانجمينا من اجماع الجميع على استحالة تحقق استقرار في اقليم دارفور المضطرب دون التوصل الى لجم احصنة الانفلات في العلاقات بين دول الجوار، وتحديدا السودان وتشاد، وهنا يقول جبريل باسولي الوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي ان المصالحة بين السودان وتشاد تمثل عاملاً مفيداً وأساسياً في تحقيق سلام إقليم دارفور، مشددا في حديثه قبل التوقيع الاخير بقليل، على اننا نحتاج بالفعل لمثل هذه المحادثات والمشاورات ما دام هدفها السلام والاستقرار في السودان وتشاد وفي مناطق الحدود بينهما، بينما يدعو رئيس جنوب افريقيا السابق ثابو مبيكي الذي يرأس لجنة وساطة تابعة للاتحاد الافريقي من اجل الازمة في دارفور، الى "تطبيع العلاقات بين التشاد والسودان" لاحلال السلام في دارفور، وقال مبيكي في مؤتمر صحافي في مقر الاتحاد الافريقي في اديس ابابا قبل يومين "ينبغي تطبيع العلاقات بين التشاد والسودان، والا سيصعب ايجاد حل لازمة دارفور".
ومع ذلك فمن الواضح ان الاتفاق تتهدده الكثير من المطبات، تتصدرها ما عبر عنه الموقعون على الاتفاق من مخاوف، رغم التفاؤل الذي حاولوا اضفاءه على الاجواء الاحتفالية، اذ اكد الموقع عن الحكومة السودانية وزيرالتعاون الدولي الدكتور التيجاني صالح فضيل، ان التحدي الراهن يتمثل في كيفية تفعيل الاتفاق الذي تم التوصل اليه بعد فشل الاتفاقات السابقة التي وقعها البلدان، وقال وزير العلاقات الخارجية التشادي موسى الفكي إن الطرفين تطرقا خلال الاجتماعات الى مجموعة من القضايا الأساسية، منها اعادة الثقة وتطوير الآليات لتطبيق الاتفاقيات على الأرض، وقال الامين السياسي بالمؤتمر الوطني محمد مندور المهدي للصحافيين اول امس ان الحكومة وافقت على المبادرات السابقة ووقعت على الكثير من الاتفاقات ولكنها باءت جميعا بالفشل الذريع، وبنظر مراقبين فان الاتفاق الجديد لم يخرج كثيرا عن سابقيه عدا عن اضافة قطر الى آلية داكار المكونة من ليبيا والكونغو والسنغال والغابون وإريتريا وهي المجموعة المكلفة بمتابعة وتنفيذ اتفاق داكار بنية حسنة ومراقبة أي انتهاكات محتملة عبر اجتماعات مرة في كل شهر في إحدى عواصم الدول أعضاء المجموعة، ونصت ابرز بنود الاتفاق الجديد على ضرورة تنفيذ التعهدات التي وقعت بين الجانبين في اوقات سابقة، وهو البند الذي يمكن ان نقرأه بالنص في البند الثاني من اتفاق داكار الموقع عليه بين رئيسي البلدين في 14مارس 2008 مؤكدين فيه (احترام التعهدات السابقة)
وعزز التطور الذي حدث امس من احتمالات الانحدار الى الدرك السحيق من الغزو والغزو المضاد على مشارف العواصم، اذ لم يمض يومان على التوقيع على الاتفاق الجديد، حتى تبادل البلدان الاتهامات، وقال بيان صادر عن وزير الاعلام التشادي محمد حسين "بينما لم يجف بعد المداد الذي وقع به اتفاق الدوحة حرك نظام الخرطوم عدة قوافل عسكرية ضد بلادنا". واتهم الخرطوم بـ"العدون المخطط"، وفي المقابل، قال المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية لوكالة فرانس برس ان السودان "ليس له اي صلة" بالهجوم العسكري على تشاد. واوضح العميد الدكتورعثمان الاغبش ان "ما يجري حاليا في تشاد يتعلق بالجيش التشادي والمتمردين التشاديين. وليس للسودان اي علاقة بذلك"، بينما اصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانا يحمل قدرا كبيرا من التفاؤل بامكانية تجاوز ما حدث رامية الاتهام على جهات لم تسمها قائلة ان لها مصلحة في تدهور الاوضاع بين البلدين ، مؤكدة ان تلك الجهات ليس من مصلحتها اعادة اعمار العلاقة بين البلدين لأنها مستفيدة من حالة التدهور التي تحدث.
وزيادة على ذلك، يدعو فشل تطبيق الاتفاقات السابقة الى التشكك في احتمال نجاح الاتفاق الاخير رغم الآمال المعلقة عليه، ويرجع الباحث المصري هاني رسلان فشل الاتفاقيات والمساعي لاحتواء التوتر بين الخرطوم وأنجمينا إلى كون هذه الاتفاقيات اتجهت إلى معالجة نتائج أو مظاهر التوتر في العلاقة بين الخرطوم وأنجمينا، في حين أنها لم تقترب من المصدر الأساسي لأزمة دارفور، ويشير رسلان في مقال صحفي الى ان السبب يعود لعجز الرئيس التشادي عن السيطرة على الاوضاع في بلاده ، ويقول (كان من الواضح لأي مراقب أن إدريس ديبي عاجز عن الالتزام بأي اتفاق مع السودان، لأن الدعم لمتمردي دارفور يتم رغماً عن إرادته، حيث أصبح غير قادر في السيطرة على أبناء قبيلته الذين حاولوا تدبير انقلاب ضده العام 2005 للإطاحة به لأنه لم يكن موافقًا على تقديم الدعم للحركات المسلحة في دارفور).
بينما يرجع الخبير الاستراتيجي الدكتور حسن حاج علي الفشل الي تعقيد آخر، ويقول في ورقة له قدمها بالمؤتمر الاول لجمعية العلوم السياسية في نوفمبر الماضي ان التحدي، بالنسبة للسودان في ما يتعلق بامن حدوده الغربية، يتجلى في وجود شبكات عديدة ذات اهداف مختلفة ( تتكون هذه الشبكات من فاعلين ناشطين يشملون حكومات ومنظمات ومرتزقة وامراء حرب ومليشيات وشركات ومغامرين ) ويوضح حاج علي ان كل شبكة من هذه تسعى الى تحقيق اهداف سياسية واقتصادية وجيوسياسية واجتماعية متباينة حينا ومتقاطعة احيانا اخرى ، مؤكدا ان مساعي فض النزاع تتطلب مدخلا شاملا يتعرض لواقع هذه الشبكات.

مفاوضات الدوحة .. ما زال الطريق وعرا ..!!

مفاوضات الدوحة .. ما زال الطريق وعرا ..!!


تقرير : التقي محمد عثمان


تعهدت الحكومة وحركة العدل والمساواة في الوثيقة التي تم التوقيع عليها في 17 فبراير الماضي بالاستمرار في محادثات السلام وابقاء ممثليهما في الدوحة من اجل اعداد اتفاق اطاري للمحادثات النهائي، واقر الطرفان في ما عرف باتفاق حسن النوايا وبناء الثقة باعطاء العملية السلمية الاولوية الاستراتيجية على ما سواها لتسوية الصراع في دارفور. وانهما سيعملان لأجل ابرام اتفاق اطاري في وقت مبكر يفضي الى اتفاق لوقف العدائيات ويضع الاسس للتفاوض حول القضايا التفصيلية اضافة الى تعهدهما باتباع الاتفاق الاطاري بمحادثات جادة تؤدي الى انهاء الصراع في اقصر وقت ممكن لا يتجاوز ثلاثة اشهر
الا ان عاديات الايام تأتي بما لا يشتهي السفن، اذ وما ان انقضى شهر وثلاثة ايام الا واعلنت حركة العدل والمساواة تعليق المشاركة في مفاوضات الدوحة مع الحكومة السودانية وقال رئيسها خليل إبراهيم في تصريحات صحفية إن الحركة لن تتوجه إلى محادثات الدوحة إلا إذا سمحت الحكومة السودانية لمنظمات الإغاثة المطرودة بالعودة إلى ممارسة نشاطها في البلاد ، واعلنت الحركة في بيان لها تعليق محادثات السلام مع الحكومة وعدم العودة إليها مشترطة تراجع الخرطوم عن قرارها القاضي بطرد المنظمات الإنسانية و السماح لها بالعودة و ممارسة نشاطها الإنساني الإغاثي وان تكفّ الخرطوم عن السودنة العجلى للعمل الإغاثي التي ستؤدي حتماً إلى تعطيل و تدمير العمل الإغاثي و تعريض حياة المواطنين المحتاجين إلى خطر محدق وان تنفّذ الخرطوم ما يليها من البند الخاص بتبادل الأسرى و اطلاق سراح كافة السجناء السياسيين في اتفاق الدوحة لحسن النوايا و بناء الثقة اضافة الى تكوين غرفة عمليات لمتابعة الأوضاع في معسكرات النزوح على مدار الساعة و تنوير المجتمع الدولي و كل الأطراف ذات الصلة بسير الأوضاع فيها.
وردت الحكومة بفتور، ورهنت تعاملها مع اعلان العدل والمساواة الانسحاب من مفاوضات الدوحة، بحصولها على رد من الوسيط القطري، وقللت من الخطوة باعتبار ان الحركة درجت على التلويح بها. وقال عضو الوفد الحكومي المفاوض، وزير الدولة بالثقافة والشباب والرياضة، امين حسن عمر لـ"الصحافة" امس، "هذا الكلام لا يعنينا.. مؤكدا ان الحكومة تتعامل مع الوسيط القطري، "وما يصدر عن الوساطة فقط هو ما يهمنا".
ويجئ هذا التطور في اعقاب اتفاق خمسة فصائل دارفورية الاثنين الماضي في لقاء جمعها بالعاصمة الليبية على ميثاق عمل للمشاركة بمحادثات الدوحة، وقع عليه كل من حركة جيش تحرير السودان (قيادة الوحدة) وجيش تحرير السودان برئاسة خميس عبد الله أبّكر وجبهة القوى الثورية المتحدة والعدل والمساواة (جناح إدريس أزرق ) وجيش تحرير السودان (وحدة جوبا) واتفق رؤساء هذه الحركات بموجب هذا الميثاق على أن الحل السلمي المتفاوض عليه هو أفضل الخيارات، مؤكدين التزامهم بالدخول في مفاوضات ذات طابع وموقف موحد يعبر عن القضايا العادلة لأهل دارفور وبالتعاون في المجالين السياسي والعسكري وصولاً للاندماج الكامل.
ويبدو ان اوراق المشهد كلها تختلط، حيث يرى البعض ان العدل والمساواة تردد كلمة حق وتريد بها باطلا ، ويرى آخرون ان الامر يتداخل فيه اتجاه محاولة توحيد الحركات الدارفورية وصراع المحاور العربية، ويرى البعض الأخير ان محادثات الدوحة اسست على باطل وما سينتج عنها كله باطل، وفي حديثه معي عبر الهاتف امس يقول عبد العزيز سام ان طرد المنظمات قولة حق اريد به باطل لان حركة العدل غير معنية بهذا الامر بالاساس (لان طردها لا يخص العدل والمساواة ويخص دارفور وهي تتفاوض في قضايا اخرى ليس من بينها الشأن الانساني وليست معنية به وحدها حتى تتذرع به لايقاف المفاوضات) ليعود ويقول ان طرد المنظمات خطأ يجب ان لا يقع ، (لانها تشتغل في اشياء مهنية ودورها لا تقوم به الحكومة ولا الحركات المسلحة) بينما يذهب الدكتور آدم محمد أحمد عبد الله نائب عميد كلية العلوم السياسية جامعة الزعيم الأزهري في غير هذا الاتجاه ويقرر ان طرد المنظمات مؤثر (لا اقول انها كلمة حق اريد بها باطل وانما فعلاً طرد المنظمات مؤثر على النازحين وربما يؤثر على المانحين)، متسائلا هل للحكومة امكانيات لاطعام هؤلاء الناس لسنوات طويلة حسبما تشير الحيثيات، ويقول الدكتور ادم في حديثه معي عبر الهاتف امس ان مقاطعة الدوحة تمت من الحركات المسلحة قبل العدل والمساواة فحركة عبد الواحد محمد نور دعت لايقاف المفاوضات لاسباب اخرى وليس بسبب طرد المنظمات واعلان خليل يقع في نفس اتجاه عبد الواحد مشيرا الى ان مفاوضات الدوحة من البداية كانت مع فصيل واحد و( لم يكن أمل كبير فيها) مؤكدا في ذات الوقت ان انسحاب خليل يعني ايقاف الدوحة .
من جهتها تصر الحكومة على ان للمنظمات المطرودة دور مشبوه وجدد الرئيس عمر البشير في حديث خاص لصحيفة 'الأسبوع المصرية امس عدم رغبة الحكومة في بقائها السودان وقال، قدمت هذه المنظمات معلومات كاذبة ومغلوطة حول حرب إبادة وجرائم حرب ترتكبها قوات الحكومة وبعض الميليشيات التي تدعمها كما يقولون (وهذه أكاذيب مفضوحة يكذبها الواقع في دارفور)، مشيرا الى ان هذه المنظمات قدمت إلي السودان لممارسة دور انساني في الاغاثة باتفاق مع حكومة السودان (وعندما تخرج هذه المنظمات عن دورها وتهدد الامن القومي للبلاد، فمن حقنا ان نطردها). ويمضي البشير الى القول (انني اقول إن طردهم يعني رسالة واضحة اتمني علي الغرب والامريكيين ان يستوعبوها، ونحن لن تخيفنا تهديداتهم ولا اعلامهم الكاذب والمزيف، بل اقول لكم هنا اننا مستعدون حتي لطرد السفراء اذا ما تعدوا مهمتهم الدبلوماسية، ذلك ان حساباتنا في السودان ليست إرضاء الآخر علي حساب أمننا وكرامتنا، بل ان العكس هو الصحيح، فكرامة السودان وامن السودان واستقرار السودان هي العناوين التي نستند إليها في قراراتنا، ولن تخيفنا تهديداتهم ولا ادعاءاتهم ولا اكاذيبهم)
والحال على هذا النحو من التضاد، ماذا عن تأثير توحد الحركات الخمس على مسار المفاوضات وما اذا كان سلبيا او ايجابيا، المستشار القانوني لحركة تحرير السودان جناح مناوي عبد العزيزسالم يقول حديثه مع الصحافة امس ان المفاوضات لا يمكن أن تكون مزاجية، مشيرا الى ان قطر منذ البداية دللت العدل والمساواة وأهملت الحركات التي لديها وجود في دارفور مؤكدا ان الحركات التي توحدت في ليبيا تسلك الطريق السليم، منبها الى ان توحد الحركات ازعج العدل الى حد الاحباط وازعجها ايضا انها لم تطلق سراح اسراها، مشددا على ان الوسيط اخطأ والحكومة السودانية اخطأت بتفاوضها مع العدل والمساواة التي لا يوجد فرد منها في السودان (وهي حركة تأتي من خلف الحدود وتخلق وضعا سيئا جدا)، بينما ينظر الدكتور ادم من جهة اخرى ويقول (الحركات الخمس ليس لها دور كبير وليس لها ثقل) مؤكدا ان الثقل الحقيقي محصور في ثلاث حركات فخليل لديه الثقل العسكري وعبد الواحد بالثقل الشعبي والاخير لدى مناوي مشددا على ان الحركات الخمس اذا ذهبت الى الدوحة لن تكون ذات جدوى. من جهته يحدد سام الاتجاه الصحيح وهوان يأتي الجميع الى منبر واحد ، مضيفا (هذا ما يسعى اليه الجميع عدا العدل والمساواة التي تريد ان تأتي لوحدها وتتخذ ذرائع شتى لذلك).

مايو (إتولد) وعاش ثم مات

مايو (إتولد) وعاش ثم مات
- تقرير: التقي محمد عثمان
الاثنين, 26 مايو 2008 16:04
أرسل لصديقك طباعة

يحكى ان اصدقاء الشاعر الراحل علي عمر قاسم كانوا يسخرون من مطلع قصيدته الشهيرة (مايو إتولد.. قالوا النجوم زادت عدد). عبر اخذه في آخر الليل الى منتصف حوش السمر ، مشيرين الى السماء قائلين له (حدد لنا اين الزيادة في هذه النجوم)، وسواء اجابهم الشاعر ام ابدى امتعاضه وانصرف الا انه كان صادقا تجاه الحقيقة التاريخية (مايو إتولد) فما عرف بثورة مايو انطلقت فجر الخامس والعشرين من مايو 1969م بتدبير من تنظيم الضباط الاحرار بقيادة العقيد جعفر محمد نميري لتستمر في الحكم حتى 6 ابريل 1985م.

ومرت مايو باربع مراحل في سنى عمرها الستة عشر، امتدت الاولى بين مايو 69 ويوليو 1971م، حين تسنمها الشيوعيون وغنوا لها (يا حارسنا ويا فارسنا.. كنا نفتش ليك زمن وجيتنا الليلة كايسنا)، الى ان اودعتهم السجون والمقابر فكتبوا عنها (مرة شافت في رؤاها حيطة تتمغى وتفلع في قفا الزول البناها. طيرة تأكل في جناها)، وتمضي مايو في مسيرتها الظافرة ، كما يقول قائدها، الى المرحلة الثانية بعد 19 يوليو 1971م، يتقدمها التكنوقراط والمنشقون من الحزب الشيوعي مرددين (تحسبوا لعب) لتنتهي هذه المرحلة بلقاء اللواء جعفر نميري والسيد الصادق المهدي بمدينة بورتسودان في 1977م، وتوقيع اتفاق المصالحة الوطنية ، وتستمر هذه المرحلة حتى اصدار قوانين سبتمبر 1983م، وتسنم الاسلاميون قيادة الامور في حقبة المشير الإمام التي تنتهي في ابريل 1985م، عبر انتفاضة شعبية كان شعارها « (بلاء) وانجلي»..

وعلى كل فإن مايو تقترب الان من سن الاربعين اذ تكمل اليوم 39 عاما من عمرها (ان كانت الاعمار بالمدد)، واصدر المشير جعفر نميري بيانا قال فيه (الاخوة الثوار الاحرار ابناء وبنات ثورة مايو الشرفاء احييكم واحيي عبركم جماهير الشعب السوداني الابي واهنئكم واهنيء الشعب السوداني الوفي باعياد الثورة المجيدة اعادها اليه علينا والسودان يرفل في حلل القوة والعزة والنصر)، وقطعا بان هذا الخطاب القادم من ازمنة قديمة لا يمنعنا من اقرار موت مايو وان تشبثت بالبقاء ، فقط الدكتور اسماعيل الحاج موسى يفرّق في حديثه معي امس بين الميت في مايو والحي منها فبحسبه: (مايو كتنظيم سياسي حاكم - الاتحادي الاشتركي- فهذه انتهت ولكن فكرها وتوجهاتها ونهجها في التعامل مع قضايا الوطن فهذا حي)، مضيفا (مايو تاريخ وانجازات ماثلة في الارض).

وقبل ان تدلي الاستاذة آمال عباس بتوضيحاتها حول (التجربة الايجابية الوحيدة في التجارب السياسية السودانية)، كما وصفتها، تكشف عن الموقع الذي تتحدث منه بقولها (انا لدي ولاء شديد جدا لهذه التجربة رغم خروجي عن التنظيم في عام 1999م، بسبب عودة المشير جعفر نميري في اطار التصالح مع النظام القائم»، لتمضي بعدها الاستاذة آمال عباس في تبيان تفوق مايو المتمثل في الرؤى الواضحة وميثاق العمل الوطني الذي عملت به، مشيرة إلى ان مايو «كانت نقلة في تفكير الانساني عبر التربية السياسية التي وفرتها وأظهرت للناس ما هو الحكم وما هي عضوية اللجنة الشعبية ومجلس الشعب وتحديدها في الميثاق لكيف يحكم السودان وبمن» ، مؤكدة ان لمايو رؤية «تحتاج لها اليوم وإلى يوم القيامة»، منوهة بمدرسة مايو في التربية السياسية والتنظيمية التي قادت المواطن لأن يعرف أكثر من انتمائه البدائي ويجيد الكلام السياسي المنظم.

وهنا يشير الدكتور الحاج موسى إلى اهتمام مايو بالجوانب الثقافية عبر اهتمامها بمهرجانات الثقافة التي دأبت على تنظيمها ، وإلى الجوانب الاعلامية عبر تطوير جهازي الاذاعة والتلفزيون، وجعلهما يبثان لكل ارجاء الوطن. متنقلاً لتعداد مآثرها في مشاريع التنمية من لدن كنانة والرهد مروراً بالمعالم الاساسية في الخرطوم من ناحية العمران وانتهاء بالبترول الذي كان الفضل فيه لمايو «وطورته الانقاذ».

لا ضير في أن تكون لميت مآثر، ولكن هل يقر المايويون بموت مايو، في خطابه الذي قرر فيه «تعليق الاحتفال بأعياد الثورة المجيدة هذا العام للظروف الأمنية التي تمر بها البلاد» ، يدعو المشير نميري أنصاره إلى «النزول إلى القواعد والالتصاق بالجماهير واعادة بناء التنظيم واحكام نظمه ولوائحه وتوسيع مواعين التمويل والعمل على اثراء الساحة السياسية باللقاءات والندوات والمؤتمرات» ،مما يعني أن المشير يريد أن يمضي قدماً، الأستاذة آمال عباس تتجاوز السؤال وتقول: لمايو كثير من الايجابيات التي يجب استصحابها، منادية بتحديد الايجابيات بلا عصبية.وحين اصر على سؤالي حول «العوامل التي جعلت مايو تموت» تجيبني بعد أن تضع تعديلاً طفيفاً على السؤال «ما هي العوامل التي جعلت مايو تلكأت» ثم تدلف إلى القول «أولاً القطاعات التقليدية لم تفهم مايو في اطارها الفكري الكبير وانما كجهة أخذت منها السلطة، فالاحزاب التقليدية دخلت في صراع مع مايو من هذا المنطلق، ثانياً أسلوب المعارضة المستحدث في حمل السلاح والارتماء في احضان الأجنبي ولجوئها إلى التضييق على الشعب بشراء السلع ورميها في البحر، ثالثاً ان مايو لم تلتزم بميثاقها وعلى رأس ذلك انها لم تلتزم بقيادة القطاع العام والاقتصاد، رابعاً انها لم تستطع تحويل ميثاق العمل الوطني إلى قناعات فكرية لعضويتها، خامساً الطامة الكبرى المصالحة الوطنية في 7791م لأنها لم تتم على اساس واضح واستفادت منها جبهة الميثاق ونخرت في النظام، سادساً الجريمة الكبرى وخطيئة النظام الكبرى إعدام محمود محمد طه» ، ومع ذلك لا تنسى آمال أن تجدد دعوتها بالجلوس على الارض ودراسة تجربة مايو والاستفادة من ايجابياتها الكثيرة.

المصدر: الوطن
التعليقات
أضف جديد بحث

أضف تعليقك
الاسم:

البريد الالكتروني:


العنوان:




Powered by !JoomlaComment 3.26
3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."
الأمة القومي وحلم التراضي الوطني - د الطيب زين العابدين< السابق التالي >في لقاء البشير الصادق المهدي - د. يوسف الكودة

أنت تتصفح الآن في قسم
موقع السودان الإسلامي / ماوراء الأخبار /
موضوعات من القسم

* مؤتمر ديربان.. نظرة سودانية ‏
* الفشل المقدس في علاقات مصر والسودان ‏
* فليكن الخلاف ولتبق حرية التعبير مبدءاً يحترمه الجميع ‏
* المؤسسة الدينية بالسعودية.. مرحلة جديدة من التجاذبات
* العبرة من بئر الثورة: نظرة في العمران الحضري ‏

عودة للصفحة الرئيسية

الخرطوم وواشنطن .. المبعوث وحده لا يكفي

الخرطوم وواشنطن .. المبعوث وحده لا يكفي

تقرير : التقي محمد عثمان

يبدو ان رياح العلاقات السودانية الامريكية تسير كما تشتهي الحكومة السودانية ، اذ يتكائر الزوار الامريكان - وعلى اعلى المستويات - على بيتها بوتيرة متسارعة لا يكاد يفصل بين الاول والثاني اكثر من اسبوع ، فبعد زيارة استمرت لمدة ثمانية ايام قام بها المبعوث الرئاسي اسكوت غرايشن يبدأ السيناتور جون كيري رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الامريكي زيارة الى السودان تستمر لثلاثة ايام، ويتردد ان الرئيس الامريكي ربما يحل بالسودان قريبا، ولطالما اعلنت الحكومة عن رغبتها في علاقات متميزة مع امريكا وبذلت ما تستطيع من اجل هذه الغاية الى ان جاء هذا التقارب الذي وصفته وكالة رويترز امس بانه (مزيد من العلامات على دفء العلاقات بين البلدين).
ويشير مراقبون الى ان العامل الحاسم في هذا التطور هو السياسة الجديدة التي بدأت تنتهجها الولايات المتحدة تجاه الدول المصنفة امريكيا بمناطق الشدة، وكان القائم بالاعمال الامريكي بالخرطوم البرتو فيرنانديز قال قبل اسبوع إن الحوار بين الادارة الاميركية والحكومة السودانية مستمر، وان ادارته تبحث مع الخرطوم عن الطرق المناسبة لدراسة المشاكل والعقبات والتحديات المشتركة لتقوية الحوار من اجل تسوية القضايا العالقة التى تعطل تطبيع العلاقات بين البلدين، وان الفترة المقبلة تحتاج الى "ابداع دبلوماسي" وانه يناقش مع المسؤولين ايجاد بدائل و "خطوات براغماتية فعالة".
وفي السياق كان الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل مستشار رئيس الجمهورية اعلن ان السودان لا يرغب فى مواجهة او مناكفة مع الولايات المتحدة الامريكية ويرحب باى خطوة تخطوها الادارة الجديدة لاصلاح هذه العلاقات، وقال ( نحن جزء من المجتمع الدولى ونحرص على التفاعل والتعامل معه لمصلحة الوطن والمنطقة والاستقرار فى العالم وامريكا دولة كبري لها تاثيراتها على القضايا الاقليمية والقطرية والدولية ومن هنا سنكون مرحبين باى خطوة تخطوها الولايات المتحدة الامريكية لاصلاح العلاقة الفاترة والمتوترة بين الخرطوم وواشنطن ). وقال السفير نصر الدين والي مدير إدارة الشؤون الأمريكية في الخارجية السودانية لوكالة السودان للانباء ان السودان يتطلع لمزيد من الحوارات الجادة من قبل الادارة الامريكية لدعم وترقية العلاقات الثنائية بين الخرطوم وواشنطن.
ويقول مدير ادارة المراسم بالخارجية السفيرعلى يوسف في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف امس ان الجديد هو تغير في توجهات السياسة الامريكية في العديد من القضايا العالقة حول العالم تنفيذا لوعود الرئيس اوباما في حملته الانتخابية ، مؤكدا ان الادارة الامريكية - بعكس الادارات السابقة - تتحرك بشكل ايجابي الآن وتفاعلي من اجل معالجة الملفات الساخنة بالسودان ويضيف انه غير مستغرب من موقف الادارة الجديدة تجاه العالم الاسلامي والشرق الاوسط وكوبا مؤكدا انها اشارات تدعو للتفاؤل.
ولكن مراقبين يقولون ان الولايات المتحدة بعد حروبها الممتدة على نطاق واسع والتي تسببت لها في خسائر فادحة، فضلا عن الازمة المالية الممسكة بخناق العالم اصبحت تتجه جديا للسير على نحو مختلف في سياساتها، وتشير الاكاديمية سهير احمد صلاح الى ان التغير في سياسة الولايات المتحدة يعود الى تفكيرها المركز في مصالحها وتقول في ورقة حول السياسة الخارجية الامريكية تجاه السودان في الفترة من 1999-2008م قدمتها في المؤتمر الاول لجمعية العلوم السياسية في نوفمبر الماضي، الى ان وتيرة الاهتمام بالسودان من قبل الادارات الامريكية المتعاقبة بدأت في الربع الاخير من القرن العشرين بفعل المتغيرات الدولية الكبيرة التي دفعت الولايات المتحدة الامريكية لرسم سياسات جديدة بسبب نقص الطاقة في العالم ونضوب مخزونها اضافة الي بعد المسافة للحصول على بترول الخليج وزيادة المخاطر في حالة امكانية حدوث حرب في المنطقة لذا اعتبرت افريقيا هي البديل الاقرب وان السودان يحظي بقدر وفير منه.
وفي قراءته للموقف الامريكي من السودان يذهب استاذ العلوم السياسية البروفيسور صلاح الدومة الى ان السياسة الامريكية الجديدة تأتي من باب تقديم الجزرة على العصا (فهم لديهم مصالح دائمة وليس عداوات او صداقات دائمة)، موضحا ان اسكوت غرايشن مبعوث من البيت الابيض بينما جون كيري من البرلمان ( وهما سلطتان مختلفتان فالسلطة التشريعية رقيبة على التنفيذية وفي امريكا توجد مؤسسية عالية، وليس كل ما تقوله السلطة التنفيذية مقبول)، ويقول الدومة في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف امس، ان زيارة كيري تقرأ في سياق ان السلطة التشريعية تريد ان تقف على الاوضاع في الارض ايضا ، وحين يقدم المبعوث التنفيذي تقريره ( اما قبلوا مقترحات البيت الابيض او رفضوها على بينة من الامر)، وبحسب رويتر فان كيري ابلغ الصحفيين بعد هبوط طائرته بالخرطوم امس القول (فرصتي الان كممثل للكونجرس الامريكي ولمجلس الشيوخ الامريكي ان اكون هناك للتباحث بشأن القضايا الانسانية وبالطبع القضايا التي تخص الصراع)
ويمضي الدومة الى دافع أخر قد يكون وراء التحرك الامريكي تجاه السودان ان يكونوا شعروا برفض الخرطوم للمحكمة الجنائية وبوجود مواقف قوية مساندة للخرطوم من القوى الاقليمية في الموقف من الجنائية، اضافة الى ان الحكومة قامت بطرد المنظمات بحجج ولم تتراجع، (يريدون ان يعرفوا على ماذا تستند الخرطوم في هذا الرفض والطرد)، اما السفير يوسف فيقول ان الحوار الآن بين السودان وامريكا ايجابي جدا عكس الحوارات السابقة ( هذا فيه اخذ ورد ومربوط بسقف زمني لتنفيذ ما يلينا وما يلي الجانب الامريكي الذي يسعى لحل مشكلة دارفور بشكل سلمي ومعالجة الوضع الانساني واستكمال بقية متطلبات اتفاق السلام الشامل والتحضير للانتخابات والتحول الديمقراطي )






.


سلطان عموم دار المساليت لـ الصحافة

سلطان عموم دار المساليت لـ الصحافة
# ما حدث للمساليت تصفية حسابات وليس ابادة جماعية
# السلام اولى من الانتخابات

لم نقترب في هذا الحوار من دائرة اشغال رئيس المجلس التشريعي لولاية غرب دارفور السلطان سعد عبد الرحمن بحر الدين، مفضلين افراده للصفة الاولى التي يحملها (سلطان عموم دار مساليت) لنتوقف في محطات مع قبيلة لها تاريخها وارثها وصولاتها وجولاتها، فضلا عن انها ظلت في دائرة الضوء منذ اشتعال النار في دارفور، وما ينبئك مثل حفيد السطان بحر الدين عن المساليت وسلطنتهم وعن الادارة الاهلية وعن السلام والانتخابات والابادة الجماعية وعن علاقة المساليت مع القبائل الاخرى ومع الاحزاب السياسية، فالرجل الذي يتسنم قياد قبيلة المساليت بالاستحقاق الانتخابي الموروث يتسلح بالمعرفة اللازمة لتقديم الاضاءة اللازمة، هنا :



حوار : التقي محمد عثمان
تصوير : عصام عمر

@ لنتعرف اولا على مراكز ثقل القبيلة وامتداداتها؟
- قبيلة المساليت مركز ثقلها الاساسي الجنينة، ولديها امتدادات داخل وخارج السودان، في الداخل توجد في جنوب دارفور وجنوب كردفان، النيل الابيض، وفي الخرطوم ومركز الثقل الثاني في القضارف وبورتسودان، وهي ممتدة من أقصى غرب السودان الى شرقه، ولديها في القضارف دائرتان انتخابيتان مغلقتان، وفي جنوب دارفور دائرتان. وفي خارج السودان يوجدون في شرق تشاد على امتداد حدود سلطنة دار مساليت في البلدين، وفي آخر احصاء قبل 3- 4 سنوات كان عدد افرادها مليونان ونصف المليون..
@ هل هو عدد المساليت في البلدين؟
- الاحصاء يشمل السودان فقط.
@ وكيف هي العلاقة بين المساليت هنا وهناك؟
- العلاقة علاقة تداخل، واهلنا في تشاد يحتكمون لدينا في كثير من القضايا، ونحن على اتصال بهم، وتجد المسلاتي السوداني متزوجا هناك، والمسافة بين القرية والقرية تتراوح بين 5-6 كيلومترات.
@ ما قصة انقسام القبيلة الى شقين؟
- القبيلة لها تاريخها، وكثير من المؤرخين اغفلوه وكثير من كتاب المنطقة اهملوا هذا التاريخ، ونضالها ضد الاستعمار كبير جداً، والسلطنة دخلت مع الفرنسيين في ثلاث معارك وانتصروا عليهم في دروتي وكرنق وكجكجي، وبعدها عقدت اتفاقية 1919 «اتفاقية غلاني» التي بموجبها انضم الجزء الشرقي للسودان والغربي لتشاد، بعد ان تصدى المساليت لضم جزء من السودان لتشاد، حيث فضل السلطان بحر الدين الانضمام للسودان، وترك الجزء الغربي الآخر من السلطة كدية لقتلى الفرنسيين.
@ كيف تسير الحياة بين المساليت ومساكنيهم في دارهم؟
- تشارك هذه القبيلة عددا من القبائل في شكل الحكم، وكانت هناك مشاركة في ادارة السلطنة من كل القبائل، صحيح قد تكون هناك حروبا بين القبائل، ولكن الجانب الاجتماعي لم يتأثر لانه لا توجد مشاكل فعلية. والسلطنة بها اكثر من عشرين قبيلة على خلاف السلطنات الاخرى، ففي سلطنة دار مساليت يندر ان تجد مشكلات بين قبيلة وأخرى، وهذا يرجع لحكمة السلطان ولعدله بين الناس كافة، والتصدي وحسم الاشكالات أولاً بأول.
@ الحديث يدور الآن عن تأخر الادارة الاهلية وضعفها؟
- صحيح حدث تطور في الحكم، وهذا التطور لم يستصحب الادارة الاهلية إلا لمن اجتهد بنفسه، وهذا اولا بسبب ضعف الإدارة، والسبب الثاني أيلولة كثير من سلطات وصلاحيات الادارة الاهلية لأجهزة ومؤسسات جديدة، وبالتالي تقلص دور رجل الادارة الاهلية، وتبع هذا حل الإدارة الاهلية في عهد نميري 1971 الذي اثر على شكلها وسلطتها وهيبتها، إضافة الى ان بعض ابناء القبائل الذين اجتهدوا كثيرا وروجوا بأن الادارة لم تعد هي الجهة التي يناط بها حل المشاكل. ومجمل هذه العوامل اضعفت السلطة او قللت من مهام رجل الادارة الاهلية، ولكن ظل رجل الادارة الاهلية هو الاقدر على التصدي للمشكلات الخاصة بقبيلته والجدير بالتحدث باسمها ومجابهة أية مخاطر تحدق بالمنطقة أو بالسلطة، وهذا لا يعني ان كل الادارة الاهلية بهذا المستوى، فهناك ادارات الاستجابة لديها ضعيفة جداً من مواطنيها، وتنفيذ التوجيهات الصادرة عن الادارة ضعيف، وهذا شئ طبيعي لأن طبيعة الحياة هكذا، لأنه ليس بالامكان أن يكون كل رجال الادارة الاهلية يقومون بدورهم ومهامهم.
@ ما سر تماسك الادارة الاهلية في دار مساليت؟
- السبب المباشر لنجاح القيادة أو قبولها، التفاف ابناء هذه السلطنة حول رئاسة القبيلة وخاصة المثقفين، ووجود تفاكر وتشاور مستمر ما بين قيادة القبيلة وقيادات المجتمع الأخرى والمثقفين، مما ادى الى التفاف كافة مكونات القبيلة والقبائل التي معها للاستجابة لتوجيهات رئاسة القبيلة بشكل مقدر جداً، بالاضافة الى ارث السلطنة وتاريخها ووضعها وخصوصية تكوينها. فضلا عن ان امكانيات السلطنة تختلف عن بقية النظارات، مثلاً قصر السلطان وحاشيته يكون صغيراً جداً، والنظام الاداري يستوعب كافة مكونات المجتمع، والسلطنة لديها وجود في وجدان المساليت، سواء أكانوا موجودين في القضارف أو في النيل الازرق أو في أي مكان، وحتى حين حلت الادارة الاهلية لم تحل سلطنة المساليت، فالمساليت والشكرية الادارتان الوحيدتان في السودان اللتان كانتا مسؤولتين عن المال العام، والمرتبات وخلافه، وسجن السلطان موجود ومحكمته موجودة، ولم يغلق حتى الآن باب محكمة السلطان، وهي تعمل الآن وأنا قاضٍ من الدرجة الأولى تُحال اليَّ محاكمات من القضاء، إضافة الى انني استدعى من اشاء حين تقدم لي مظلمة.
@ من اين اتت هذه الخصوصية؟
- لدينا خصوصية من واقع اننا فرضنا انفسنا بالارث والنصر للسلطة والاعمال التي تقوم بها. وستستمر هذه الخصوصية لأننا نطور من أنفسنا ومن شكل تعاملنا مع الآخرين، ونستجيب للتطور الذي يحدث من حولنا.
@ ماذا عن امكانية عودة الادارة الاهلية الى سابق عهدها؟
- هي اصلاً موجودة، والاستفادة منها تتم عبر اكتساب الادارة الثقة بنفسها، بالتمكين في السلطة، وعبر النظم الادارية التي تتيح لها التحكم في ما يليها من السلطة، وقديماً كانت لدى الادارة الأهلية سلطة الاعتقال والاستجواب والتوقيف بنص القانون، وهذه اصبحت غير موجودة، وهناك سلطات ادارية لم تعد موجودة، واذا اعيدت هذه المعينات لرجل الادارة الاهلية التي منحت لمؤسسات اخرى سيساهم هذا في الاستتباب الامني واستقرار المواطنين وسيعين الحكومة بشكل جيد جداً.
@ هل تقترح وضع تشريع جديد لتفعيل الادارة الاهلية؟
- هذه المسألة ممكنة جداً، لأن الإدارة الاهلية اصبحت متطورة ومواكبة للأحداث السياسية والثقافية والرياضية، ولم يعد رجل الادارة هو ذلك الرجل التقليدي، وتطور مع التطور الحادث. وبالتالي أية تشريعات تقنن من سلطانه وصلاحياته وتوفق اوضاعه هي مفيدة في المرحلة القادمة.
@ الى أي حد يمكن ان تسهم الادارة الاهلية في حل ازمة دارفور الماثلة الآن؟
- أنا متأكد انها ستسهم بشكل فعَّال في حل ازمة دارفور باستثناء الجانب السياسي الموجود فيها، وكثير من الادارات الاهلية لديها قبول عند المتمردين، يسمعون كلامهم وعلى اتصال بهم، وبالتالي اذا اشركت الادارة الاهلية لتكون الوسيط بين حملة السلاح والدولة سيكون ذلك اجدى، ونحن في السلطنة استطعنا ان نعيد عددا مقدرا جداً من أبناء السلطنة والقبيلة الى ارض الوطن، مثال لذلك حركة القوى الشعبية وحركة القائد عبد الكريم كسنجر، وهم منذ ثلاث سنوات يقيمون في بيتي «حوش السلطان».
@ كيف تنظر الى تحفظ البعض في كون الادارة الاهلية نفسها اصبحت جزءا من الصراع وانها لم تعد محايدة؟
- هؤلاء أفراد في الحركات ولديهم رأى في الادارة الاهلية. وحتى الآن لم نشعر بوجود حركة لديها رأى في الادارة الاهلية، وعندنا في دار مساليبت الوضع مختلف تماماً عنه في بقية دارفور.
@ ايهما يأخذ الاولوية من وجهة نظرك قيام الانتخابات ام تحقيق السلام؟
- كل الناس في دارفور يتطلعون الى الانتخابات القادمة وينشدون السلام، والسلام عندنا مقدم ومن اولويات شعب دارفور، وشعب السودان في دارفور، لأن السلام هو استقرار، واذا لم يحدث استقرار قد لا يشارك عدد كبير من الناس، ولدينا الآن مبادرات مقدمة من الدولة ومن قطر والاتحاد الافريقي. وفي تقديري ان هناك خطوات جيدة. وليس من المنطقي ان يتم توقيع سلام الآن والدخول في الانتخابات بعد فترة قصيرة. فالسلام أولى لأن هناك نزوحا واضطرابا أمنيا ومعسكرات ولاجئين، والسلام يزيل كل هذا وسيحقق استقرار الاوضاع .
@ كما تعلم فقد تحدثت محكمة الجنايات الدولية عن ابادة جماعية تعرض لها المساليت، ما هي حقيقة الأمر عندك؟
- الابادة غير موجودة، وأنا لم أغادر دارفور منذ الحرب ولو لعشرة ايام، صحيح حصل اضطراب وفوضى وتصفية حسابات من بعض القبائل في بداية الاحداث، ونتج منها حرق قرى ونزوح واحتماء بالمناطق التي توجد فيها الدولة. اما امر الابادة الجماعية فهو كلام سياسي قصدت به تصفية حسابات سياسية وتفكيك وحدة السودان، وهذا ليس معناه عدم وجود خسائر ولكن لا توجد ابادة للمساليت.
@ كثر الحديث عن تسييس القبائل ، ماذا عن علاقة سلطنة المساليت بالاحزاب؟
- علاقة السلطنة بالأحزاب السياسية علاقة جيدة جداً ومتوازنة، وهذه العلاقة موروثة من قديم الزمان، وكل القادة السياسيين الذين يزورون الجنينة هم ضيوف لدى السلطان، وينزلون في قصره. وكل قادة الأحزاب استضفناهم، ومتى وصلت الخرطوم تقدم لي دعوات منهم، سواء أكانت من المهدي، الميرغني، انصار السنة، أحمد المهدي أو غيرهم، واستجيب لها واجلس معهم، والعلاقة بين السلطنة والاحزاب جيدة، والقاعدة أن السلطان لا يناوئ أي حزب أو أية افكار، ويترك الحرية لرعاياه للاختيار، وبما لا يتنافى مع المصلحة العامة.
@ قبل فترة اطلقت مبادرة بغرض احداث اختراق على ارض الواقع ماذا جرى فيها، واين هي الآن؟
- اطلقت مبادرة جمع الصف الوطني، واهم عناصرها عودة النازحين واللاجئين واعادة أبناء السلطنة الذين هم بالحركات المسلحة، وتوحيد الكلمة الداخلية للقبائل بالسلطنة، واتينا بهذه المبادرة الى المركز وعرضناها على اللجنة المسؤولة عن متطلبات السلام في غرب دارفور التي يرأسها الحاج عطا المنان، ووجدت استجابة وقتها، ولكنها أصبحت الآن حبيسة الادراج. ونسأل الله أن يفك اسرها لأننا هيأنا عشر قرى كبيرة بالتمام والكمال للعودة وقلصناها الى ثلاث قرى بطلب من اللجنة بالخرطوم، وللأسف الشديد لم يعد لها أحد حتى الآن عدا قرية سرف جداد التي انتشرت فيها القوات المسلحة، وبها عدد قليل من الناس. ونأمل ان يعود كل اهل هذه القرية الكبيرة ذات الموقع الاستراتيجي.
@ اثارت زيارتكم على رأس وفد من القبيلة للدكتور الترابي جدلا وقال البعض انكم قدمتم بيعة واعلنتم فيها انضمامكم للمؤتمر الشعبي ؟
- هذه شائعة أطلقها افراد هدفهم معروف من قبائل تجاورنا، والزيارة كانت عادية جداً، ولم تتم فيها بيعة للترابي. وأنا عندي بيعة لرئيس الجمهورية، ولا توجد حاجة اسمها بيعتان، وأنا ولائي للمؤتمر الوطني.
@ هل يؤثر انتسابك للمؤتمر الوطني على انتماء الآخرين في القبيلة لأحزاب أخرى؟
- انتمائي للمؤتمر الوطني لا يؤثر على انتماء الآخرين، ففي حكومة الوحدة الوطنية الآن لدى أربعة وزراء بانتماءات مختلفة، واقابلهم واتشاور معهم في أمور القبيلة بدون تفضيل لأحد على آخر في ما يخص المنطقة والسلطنة.

القوى الساسية .. من مأمنه يؤتى الحذر

القوى الساسية .. من مأمنه يؤتى الحذر


التقي محمد عثمان

تباينت رؤى القوى السياسية بعد الرابع من مارس في اي السبل هو الامثل للخروج من الازمة الماثلة، فبعد ان كانت غالبية القوى تراهن على التحول نحو الديمقراطية بعد الفترة الانتقالية بخطوات محسوبة تتصدرها خطوة تعديل القوانين ومن ثم الانتحاء بالناخبين للاقتراع لمرشحيها، يلوح الآن ان خيارها الراجح هو التقاء السوانيين بمختلف مكوناتهم في مؤتمر جامع يضع على الطاولة كل اوجه الازمة لتشخيصها على نحو جديد يتيح للسودان الانتقال من عصر النكبات التي لازمته منذ الحكم الوطني الاول في 1953 ربما الى عصر الانفتاح على كل مقومات واقاويم الوطن ليصبح ( كل سونكي مسطرينة )، ويتضح هذا الاتجاه من جملة المقترحات التي تدفع بها القوى السياسية الآن.
وبحسب مراقبين فان سمات التوجه الجديد تلوح في خطابات القوى السياسية المنفعلة بما يجري وفي توضيحاتها الدالة على طريق الامل مما يبشر - رغم سحب الضبا ب الاسود المخيمة على الاجواء - باحتمالات انجلاء الازمة بما يؤكد ان السودان بلد محروس كما جرى على لسان احد مفكريه ، فقد حرصت القوى السياسية في مجمل مقارباتها لمشاريع الحل على استصحاب كل تعقيدات المسألة وعلى النظر الكلي للامور وتحاشي الحلول الجزئية التي تورد موارد الهلاك، مستشهدين بالكثير مما جاء في ماضيات الايام من اقوال ومواقف.
فقد قال السيد الصادق المهدى ان التعامل مع ازمة المحكمة الجنائية، يتطلب توازنا دقيقا بين الحفاظ على استقرار السودان وبين احترام مقتضيات العدالة، وهذا يقتضى رفض تسليم رأس الدولة، وفى الوقت نفسه التعاون مع المحكمة، وقال في مجلس الشعب المصري قبل ايام ان هذه المعادلة يمكن تحقيقها عبر الاخذ بحزمة من اربعة عناصر: التعامل مع الازمة بهدوء، وتقديم معادلة للمساءلة القانونية بما يمكن قبوله فى اطار اتفاقية روما، عبر محاكم هجين سودانية عربية افريقية، بقانون خاص يتيح لها ممارسة عملها، وفى الوقت نفسه القيام بمجهود استثنائى لحل ازمة دارفوريستجيب للمطالب المشروعة لاهل دارفور، والعنصر الرابع – وهنا المربط - هو الاصلاح السياسى القائم على التحول الديمقراطى، وتحقيق التغيير عن طريق الانتخابات وليس عن طريق المواجهة او الشارع ، اذ توجد الان اكثر من خمسين جماعة مسلحة باجنداتها السياسية.وقال السيد الصادق انه اذا وافقت الحكومة على هذا الطرح فمن الممكن تحقيق توافق داخلى حوله، وانه يضمن بعد ذلك تسويقه وموافقة الحركات المسلحة عليه على ان تكون هناك حاضنة عرببة افريقية له.
بينما ذهب الدكتور حسن الترابي الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي في تصريحات صحفية بعد اطلاق سراحه الى انه «إذا ما حدث اتفاق على الإدارة وعلى ضمان الحريات والالتزام بالمواثيق والعهود ومحاربة الفساد فإنه يمكن خلق اتفاقات مع كل القوى السياسية في البلاد»، ودعا الحزب الشيوعي الى تشكيل آلية قومية طارحا موجهات للخروج من ازمة الجنائية ودعا المكتب السياسي للحزب في بيان قبل ثلاثة ايام الى توحيد الجبهة الداخلية ،مطالبا بمضاعفة الجهود للوصول إلى حل عادل وشامل لقضية دارفور يستجيب لمطالب أهل الاقليم، مشيراً الى ان الحل لن يتأتى إلا عبر آلية قومية يشارك فيها الجميع: حركات دارفور المسلحة، التنظيمات والقيادات الدارفورية الأخرى، ممثلي الادارة الأهلية والمنظمات المدنية الدارفورية، اضافة الى جميع التنظيمات السياسية الأخرى على نطاق الوطن، مجددا دعوته بالاسراع في انجاز كل تفاصيل التحول الديمقراطي دون تلكوء أو تماطل، بجانب تنفيذ كل الاتفاقات الموقع عليها وذلك باشراف آلية قومية تشارك فيها تنظيمات الشعب السوداني كافة من أحزاب ومنظمات وتجمعات،والعمل على استخلاص برنامج وطني شامل من هذه الاتفاقات من اجل ضمان وحدة الوطن واستقراره في اطار الدولة المدنية الديمقراطية، ومن أجل التنمية المتوازنة والسلم الوطيد.
من جانبه كان الحزب الاتحادي الديمقراطي طرح مبادرة الوفاق الوطني الشامل مجددا فيها حرصه على استصحاب كل مكونات الحياة السياسية السودانية في اي معادلة سياسية قادمة، اضافة الى موقفه المبدئي الرافض لتسليم أي سوداني إلى المحكمة الجنائية الدولية، معتبرا أن ذلك يتعارض مع سيادة السودان، وتحدث زعيم الحزب مولانا محمد عثمان الميرغني عن "توطين العدالة"، الى جانب مطلوبات اخرى حتى تتحقق الاجواء الملائمة للوفاق الوطني الشامل.
وفي اتجاه آخر جدد الحزب الاتحادي الديمقراطي الهيئة العامة الدعوة التي أطلقها في أغسطس الماضي بتشكيل حكومة تكنوقراط باعتبار أن ذلك يمثل مخرجا لحل الأزمة السياسية الناتجة عن قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية وقال مساعد الأمين العام للشؤون السياسية عز العرب حمد النيل بأن البلاد كلها في حاجة إلي تقديم المزيد من الاقتراحات من قبل الأحزاب السياسية حتي تتجنب البلاد خطر المواجهة مع المجتمع الدولي وقال حمد النيل بأن علي حكومة التكنوقراط توفير ضمانات جيدة لتنفيذ اتفاقيات السلام المبرمة وتلك التي في الطريق علي أن تقوم بحث جميع أطراف النزاع في دارفور بتوحيد موقفها التفاوضي مع الحكومة، وأضاف أنه لا بد لهذه الحكومة الجديدة من العمل علي عقد مصالحة وطنية شاملة ويكون ذلك بمثابة رسالة للعالم اجمع بأن السودان لديه من القدرة الداخلية ما هو كفيل بتجاوز العقبات مهما كان حجمها
وقال المكتب الاعلامي لحزب التحالف الوطني السوداني الذي يراس مكتبه التنفيذي عبد العزيز خالد ان المخرج الصحيح للأزمة الحالية يحتاج في المقام الاول أن تتمتع الأطراف الحاكمة حالياً والمؤتمر الوطني على وجه الخصوص بالإرادة والرغبة الحقيقية للحل لإيجاد حل وأن يتحلى الجميع بالحكمة والعقلانية والشجاعة والتخلى عن المناورات والمزايدات والاستعانة بالاخرين عند اشتداد الازمات. واقترح التحالف تشكيل حكومة قومية انتقالية لمعالجة الازمة مع المجتمع الدولي تحفظ نسب الحركة الشعبية والحركات الموقعة على ابوجا واتفاق سلام الشرق والتوصل لحل سلمي سياسي شامل وعادل يلبي مطالب اهل دارفور واكمال عملية تعديل القوانين وموائمتها مع الدستور الانتقالي وتضمين جرائم الابادة الانسانية والحرب والجرائم ضد الإنسانية بالقانون الجنائي، واقامة انتخابات حرة وشفافة لا يستثني منها اي جزء من السودان بمراقبة محلية وإقليمة ودولية.
هذه وغيرها من المقترحات العملية وذات الحساسية العالية تجاه ما يجري تذخر بها الساحة السودانية، مما قد يعني ان التربة اضحت معدة للفلاحة وان اللبن السائغ قد اوشك ان يأتي من بين فرث ودم، الا ان استاذ العلوم السياسية بجامعة جوبا الدكتور حمد عمر حاوي ينبه الى ان خطابات الاستهلاك السياسي لا تجدي فتيلا مؤكدا ان اس الموضوع في ملعب الانقاذ، (وحتى تقف الاحزاب وقفة صادقة وحقيقية هناك ثمن يجب على الانقاذ ان تدفعه وهو ليس بالثمن السهل فهو متعلق بالحريات باشكالها المختلفة وبالقوانين المقيدة للحريات وبالمشاركة في السلطة) ويشير حاوي في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف امس الى ان من يقولون بامكانية الوصول الى حلول دون التأمين على الاستحقاقات الواجبة هذه يعيشون على الاماني، مشددا على ان المسألة جادة هذه المرة ويمكن لاهل الانقاذ تحويلها الى خير يعم اهل السودان او ان تكون وبالا على الجميع ، مضيفا (ما لم تقبل الانقاذ فلن يتحقق شيء وما تقوله الاحزاب مجرد اقتراحات او اراء)، ويقول، في نهاية الامر وحدها الانقاذ يمكن ان تحول هذه الاقتراحات والآراء الى برامج وبخلاف موافقة الانقاذ تصبح المسألة مجرد حديث لا اساس له في الواقع.


( البتبلبل بيعوم )

الحكومة ترفع السقف الى الاعلى .. ( البتبلبل بيعوم )


بعد ان كانت الحكومة تتحدث عن أن قرار توقيف البشير ستكون له آثار مدمرة وكارثية على الأوضاع في السودان وعلى عملية السلام في الجنوب ودارفور، وتدعو لتحاشي هذه الآثار بتأجيل القرار - عبر الاصدقاء والاشقاء - لمدة عام حتى يتم تحسين الاوضاع على الارض واشاعة السلام في ربوع دارفور، رفعت الآن سقوفاتها الى الحد الاعلى وادرجت في مقدمتها فضح المحكمة الجنائية الدولية والغاء وجودها تماما .
فبعد ان اعلن نائب الرئيس علي عثمان محمد طه في مساء الرابع من مارس يوم صدور قرار التوقيف ان المعركة القادمة مكانها مجلس الامن وان الحكومة ستسعى لمكافحة القرار بكافة الوسائل السياسية و الديبلوماسية، قالت وزارة الخارجية في السادس من مارس إنها شرعت في التحرك للتعامل مع قرار المحكمة الجنائية الدولية عبر 3 محاور بطرق مباشرة وغير مباشرة، وأضح الناطق الرسمي للوازارة أن الأول يمثل تحركا مباشرا، تتولاه وزارة الخارجية مع دول قال إنها منتقاة من الدول الغربية «ذات ثأثير» في تداعيات الأزمة بين السودان والمحكمة الجنائية، و المحور الثاني يتمثل في تحرك غير مباشر لدعم جهود «كل من روسيا والصين ودول أخرى» تسعى إلى الحصول على تأجيل للقرار من داخل مجلس الأمن، والمحور الثالث يصب في اتجاه دعم جهود الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي لإعمال المادة 16 من ميثاق روما لتأجيل القرار لمدة عام على الأقل لإتاحة الفرصة لإنهاء الأزمة برمتها عبر السلام الشامل في الإقليم.
اما الآن فإن الوضع صار مختلفا، فقد قال مستشار الرئيس مصطفى عثمان اسماعيل ، فى تصريحات له اول امس، ان الحكومة حددت سقفا اعلى لتحركاتها يستهدف سحب القرار من المحكمة، واعادته الى مجلس الامن الذى احال عليها ملف دارفور ،وفضح المحكمة والغاء وجودها باعتبارها عنصرية ومسيسة تستهدف الافارقة ودول العالم الثالث.
والواضح من ذلك ان الحكومة اصبحت تراهن على هذا الاتجاه، بعد ان اعيتها السبل في ايقاف القرار قبل صدوره واحساسها ان من يقف وراءه لن يرعوي في الاستمرار فيه، يعزز من ذلك ماكان قال به نائب الرئيس علي عثمان في حديثه لمجلة المصور المصرية الاسبوع الماضي حول ما ستشهده المرحلة المقبلة والسيناريوهات التي ستسير عليها الحكومة ، محددا السيناريو الأول في ترتيب التعامل مع مجلس الأمن من خلال الإتصال بكل دول المجلس الدائمة خاصة الصين وروسيا وغير الدائمة العضوية لتعزيز الموقف السوداني حتى يتم إجهاض هذا الأمر أما السينايو الثاني فهو توسيع دائرة التفهم لموقف السودان والمساندة له من خلال حملة مرتبة ومدروسة لمواجهة الضغوط الدولية غير المبررة ، وفي ذات السياق طالب متحدثون في ورشة عمل حول «المحكمة الجنائية ومناهضة مبادئ القانون الدولي» ، اقيمت بمباني وزارة الخارجية قبل ايام، بتبني حملة افريقية وعالمية بالتنسيق بين وزارتي العدل والخارجية لنقل المعركة الداخلية الى معركة دولية، وخلق ارادة سياسية مدفوعة بجبهة قومية متماسكة للخروج من الازمة الراهنة.
وفي توضيحه لسقوفات الحكومة الجديدة ذكر الدكتور مصطفى عثمان ان الحد الادنى الذي تسعى اليه هو عقد قمة افريقية استثنائية يقرر فيها الزعماء سحب عضوية الدول الافريقية التى صادقت على ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية،واستصدار قرار من القمة العربية المقبلة فى الدوحة برفض تنفيذ قرار المحكمة بتوقيف البشير.
وقال ، ان الدبلوماسية السودانية ستحقق اختراقات فى اميركا اللاتينية واوروبا ،بعدما وجدت مساندة من روسيا والصين فى مواقفهما تجاه قضايا البلاد.
وأول ما يتبادر الى الذهن السؤال حول امكانية تحقيق هذا الهدف المعلن ، السؤال الذي يجيب عليه الدكتور عبدالرحمن ابوخريس استاذ العلوم الساسية بمركز العلوم الدبلوماسية بالقول ان هذا عمل يتطلب مجهودا كبيرا من الدبلوماسية السودانية وان تكون هناك ترتيبات كبيرة لتحقيق هذا الهدف، ويجيب عليه الخبير القانوني الدكتور خالد حسين بالجزم ان درجة النجاح في هذا المسعى عالية جدا، فبينما يشترط ابوخريس في تقديري ان الحكومة استفادت من مجمل الاوضاع ولم تسعى باعلانها لكسب الاعلامي وتعاملت مع الامر بالجدية اللازمة، ووضعت الامر في مراحل وبتريبات معينة قد يأتي ذلك بالثمار المرجوة، مشددا على ان هذا الاجراء لن يتحقق الا باجماع كثير من الدول الافريقية والعربية على سحب عضويتها من المحكمة ويلمح ابو خريس الي احتمال حصول الحكومة علي ضوء اخضر من دول كبرى، مشترطا ايضا استطاعة المؤتمر الوطني تحقيق توافق مع الحركة الشعبية والاستفادة من علاقاتها مع دول غربية وافريقية اضافة الى اجماع الجبهة الداخلية، يذهب خالد حسين في حديثه مع الـ صحافة عبر الهاتف امس الى ان السودان سينجح في سحب عضوية الدول الاعضاء في المحكمة اذا قرأنا تصريحات القادة الداعمين للسودان ، مؤكدا ان كل دول افريقيا وآسيا (المؤتمر الاسلامي) اضافة الى امريكا الجنوبية وروسيا والصين تقف مع الحكومة، موضحا ان دعمهم للسودان من واقع خوفهم على رؤوسهم، وسيكونون عرضة لتطبيق قانون المحكمة عليهم، وهو موقف لأنفسهم، وسيمضون في هذا الاتجاه الى أبعد مدى، مضيفا (هم يعتقدون ان السودان يستطيع أن يقاوم الضغوط بشخصية الرئيس القوية وسنده الشعبي الكبير).والى ذلك يذهب الدكتور أمين حسن عمر في برنامج مؤتمر اذاعي الجمعة الماضية حيث يقول انكل أفريقيا تشعر بالتهديد أكثر لأن اي دولة مصادقة على هذه الاتفاقية فهي عرضة لاستخدام هذه الآلية ضدها مشيرا الى أن الاتحاد الأفريقي هو أقوى مؤسسة أقوى من الجامعة العربية الجامعة التي هي صلة بين دول لكن الاتحاد الأفريقي اتحاد أقوى، مؤكدا ان الموقف الأفريقي من حيث التنظيم ومن حيث العلاقات أقوى من الموقف العربي والدبلوماسية الأفريقية دائماً أكثر ممانعة ضد المواقف الدولية والدبلوماسية العربية.
الا ان مراقبين يشيرون الى عقبات تواجه مسعى الحكومة ومنها ما يمكن ان تقوده الدول التي تدعم المحكمة علانية كفرنسا وبريطانيا ومن خلفهما الاتحاد الاوربي ، والتي تدعمها من وراء حجاب مثل امريكا ، اضافة الى مواقف بعض القوى الساسية المتفاوتة بين الرفض والقبول ، واهم المواقف التي يشيرون اليها موقف الحركة الشعبية الذي عبر عنه اول امس نائب رئيس الحركة والي النيل الازرق، مالك عقار، بمنتدى وزارة ديوان الحكم الاتحادي، من ان الحركة ما زالت تطالب بعدم الصدام مع المجتمع الدولي، معتبرا ان ذلك هو الطريق الامثل للخروج من الأزمة الحالية، وينبهون في السياق الى ما كانت القاهرة قد طرحته بعقد مؤتمر دولي من أجل حل الأزمة السودانية، يجمع كل الأطراف الدولية والإقليمية والسودانية المعنية مباشرة بالأزمة ، ويناقش كل جوانبها ليصل إلي حل شامل لكل القضايا المتعلقة بالسودان ، مع ضمانات من المجتمع الدولي والحكومة السودانية وحركات المعارضة بالالتزام بما يتم التوصل إليه من اتفاقات ، حيث تري مصر أنه لابد من حل سريع وشامل للأزمة السودانية ، وأن هذا الحل يعتمد علي فتح حوار جدي بين السودان والمجتمع الدولي للاتفاق علي أسس شاملة لحل الأزمة وبدء تنفيذها فورا ، لأن الحلول الجزئية للقضايا السودانية لم تعد مجدية ، وتؤدي أحيانا إلي تعقد الأزمة بدلا من حلها ، وهو حل لن يتم إلا بحوار جاد وصريح بين المجتمع الدولي والسودان ، خاصة أن المجتمع الدولي أصبح طرفا أساسيا في الأزمة السودانية.
ولكن الدكتور خالد حسين يذهب بعيدا، ومعضدا اقواله بالمواد القانونية يقترح ضرورة اضافة مطلب اقالة مدعي عام المحكمة اوكامبو ( للمخالفات القانونية وانصياعه الكامل لتحقيق اهداف تختلف عن هدف تحقيق العدالة) مشيرا الى انه حتى المتعاطفين مع المحكمة يعتقدون ان اوكامبو يجهض فكرة جميلة كانوا يحلمون وينادون بها وتحققت عبر انشاء المحكمة نتيجة انصياعه للدول العظمى التي تختلف أهدافها عن هدف تحقيق العدالة ، ليذهب الى القول ان المعركة مع الجنائية على أمرين الاول، حث الدول التي تقف مع االسودان على الانسحاب من المحكمة الجنائية ، مضيفا (في تقديري أنها ستقوم بهذا الأمر. لأنه يُبين لها أنه إذا تم تطبيق هذا القرار على السودان فسوف يُصبح ذلك سابقة دولية مسلطة على رؤساء كل دول العالم الثالث من غير استثناء)، والثاني، التركيز على إقالة المدعي العام أوكامبو (الذي وأد بتصرفاته غير المسئولة وغير القانونية هذه الفكرة النبيلة التي تحمس لها كل من يطمح في تحقيق العدالة في العالم)