السبت، 6 يونيو 2009

منظمات المجتمع المدني .. حبابك يا غريب الدار

منظمات المجتمع المدني .. حبابك يا غريب الدار

الخرطوم : التقي محمد عثمان

قال الاستاذ بجامعة ديوك الامريكية امباي لو، ان فشل الدولة الافريقية الحديثة قاد الى التفكير في تفكيك آلياتها عن طريق دعم وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني، وقال انه وبعد الاستقلال كان التركيز على دراسة الدولة الافريقية ولكن بعد ثلاث حقب بدأ الدارسون يكتشفون ان الدولة هي المشكلة، مشيرا الى ان التعويل على المجتمع المدني ظهر كرد فعل على فشل كل الدراسات التي ركزت على شرعية وتشريع الدولة الافريقية .
وبعد ان اشار الى عدم وجود حاجة الى التدليل على وجود ازمة افريقية ( لأننا نسمعها ونراها ونتنفسها في الهواء) عدد الدكتور امباي لو بشير - الذي كان يتحدث في ندوة ( المجتمع المدني : مفاهيم ـ نظريات ـ نماذج ) بقاعة الشارقة صباح امس نظمها مركز دراسات الاسلام والعالم المعاصر – عدّد ثلاثة من مظاهر فشل الدولة الافريقية ، الاول الفقر الشديد والفاقة المتزايدة، والثاني تآكل حقوق المواطن الافريقي وتناقصها عاما بعد عام منذ 1960م ، والثالث عدم قدرة الدولة على ادارة نفسها، وفي المظهر الاخير يشير الى ان الديون الخارجية على افريقيا كانت 8 ملايين دولار في 1960م ووصلت في عام 2000م الى ثلاثمائة مليار دولار وانخفض دخل الفرد في عام 1990م ليعود الى ما كان عليه في 1970م واحيانا في 1950م.
ويقول ان مخطط تفكيك الدولة الافريقية من قبل المؤسسات الدولية والدول المانحة اعتمد سياسة التقشف ودعم القطاع الخاص بهدف اضعاف الدولة الافريقية عبر تقليل الايدي العاملة فيها ونقل مهامها الى القطاع الخاص وحين تضعف الدولة تهرب الكفاءات الى القطاع الخاص وتخلق مجتمعا مدنيا قويا.
ويتناول بشير بداية ظهور مصطلح المجتمع المدني ويقول انه ضارب في القدم ويتوقف عند اربع محطات له ، الاولى، محطة الفيلسوف جون لوك الذي يجعل ظهورها مرتبطا بظهور الدستور والاتفاق بين الدولة والمجتمع على ان تحفظ حقوقه مقابل ان يتنازل لها عن جزء منها ، والثانية محطة توماس بين ومونتسكيو التي تقول بتناقض الدولة مع المجتمع ويجب التوجس منها وان شرعيتها ينبغى ان تبنى على رضا المجتمع، ليتم التأسيس لمبدأ فصل السلطات الثلاث حتى لا تسيطر جهة على قرار المجتمع، والثالثة محطة كارل ماركس الذي قال ان الدولة لا علاقة لها بالمجتمع وانما حقبة من حقب التطور التاريخي وهي تمثل حكم طبقة معينة الى حين الوصول الى المجتمع الاشتراكي، والثالثة محطة الفيلسوف ج ف فردريك هيجل الذي اعتبر الدولة صاحبة السيادة على المجتمع لانها تعكس تطوره وبالتالي تمثل شرعيته.
لينتقل بعدها الى الخلاصة المهمة وهي ان شرعية الدولة الغربية جاءت من التطورات الاجتماعية على عكس افريقيا حيث الدولة الموروثة من الاستعمار هي التي اسست المجتمع الافريقي الحديث بحدوده الجغرافية الحالية ، مشيرا الى ان الرؤساء الافارقة يسمون انفسهم اباء الدولة الذين لهم الشرعية وهم رمزها، ويمضي الى تعريف المجتمع المدني بانه الفضاء العام المنفصل عن الدولة والموجود بين الدولة والاسرة ، مشددا على ان الفضاء المنفصل يعني ان يكون المجتمع المدني منفصلا وعدوا للدولة، متسائلا عن المؤسسات الموجودة في هذا الفضاء في افريقيا، مشيرا الى ثلاث مآخذ ، الاول ان منظمات المجتمع المدني تشغلها المعارضة السياسية ( فهل تمثل المعارضة مجتمعا مدنيا )، والثاني من المؤسسات ما ينبني على علاقات قبلية وعرقية ( هل تعتبر المجتمعات العرقية والقبائلية من المجتمع المدني ) ، والثالث وجود مؤسسات دينية ( هل تعتبر من المجتمع المدني )، ليقول بعدها ( من هنا برزت مشكلة تطبيقات المجتمع المدني في افريقيا ) مشيرا الى كتاب صدر في 1998م يقول بان المؤسسات الدينية والعرقية ليست عضوا في هذا الفضاء الواسع وليست طرفا في المجتمع المدني لأن هذه العلاقات الدينية والعرقية لا تساعد على مواجهة الدولة وانما تساعد على التعامل معها.
ويشرح الدكتور امباي رايه المناقض لهذا الرأي ويقول يجب ان يكون الرافد الديني والعرقي طرفا في المجتمع المدني مستشهدا بنموذجين، الاول من اليمن حيث يستحيل التفكير في المجتمع المدني دون التفكير في القبيلة والمسجد ( ففي اليمن لا بد ان تلجأ الى القبيلة او المسجد حتى تسمعك الحكومة )، والثاني من السنغال حيث طالب ليوبولد سنغور عام 66 بادخال القبائل في الحكم واعطى نفوذا للطرق الصوفية، مؤكدا ان اشكالية المجتمع المدني في افريقيا تصورية ( حين اعتقدنا بعد الاستقلال ان المجتمع المدني هو هؤلاء النخبة الذين يتحدثون لغات اجنبية ويسكنون في العواصم ويمتطون السيارات ) مشددا على ضرورة مراجعة هذه المفاهيم وبناء مجتمع مدني افريقي مغاير لما هو في الغرب يستصحب القبيلة والدين، منبها الى ان الاحزاب الساسية الافريقية ضعيفة وقد تلجأ الى قوى خارجية لدعمها وان منظمات المجتمع المدني في الدول الافريقية بدلا من ان تستمد مشروعيتها من من تمثلهم تأخذ مشروعيتها من مموليها في الغرب، مؤكدا ( كل هذا لا يجيز رفض منظمات المجتمع المدني وانما يدفع الى النظر في مفهوم المجتمع المدني وتفعيله بما يتوافق مع واقعنا في افريقيا )













الثلاثاء، 2 يونيو 2009

الاحزاب المسجلة .. ما الحقيقة ؟!



الاحزاب المسجلة .. ما الحقيقة ؟!



تقرير : التقي محمد عثمان


الآن بات لدينا تسع وستون حزباً تزيد ولا تنقص، احزاب تتمع بشرعية وشخصيات اعتبارية ويحق لها ممارسة انشطتها ودخول الانتخابات القادمة اذا قدر الله للتحول الديمقراطي ان يمشي على قدمين.
ففي احتفال بهيج بقاعة الصداقة امس امّه جمع غفير من المحتفين والمحتفى بهم استلم سبع وثلاثون حزبا شهادة تسجيل من رئيس مجلس شؤون الاحزاب لمزاولة العمل السياسي وفقا لقانون الاحزاب الجديد، لتنضم الى اثنين وثلاثين حزبا سبق عليها الكتاب.
ويبدأ العجب من الكم الحزبي الوافر من اعلان مجلس شؤون الاحزاب ان 50 حزبا مخطرا فقدت شرعيتها القانونية لعدم توفيق اوضاعها خلال مهلة الـ 90 يوما التي كان حددها القانون، ليصبح السؤال حول هذا العدد المهول للاحزاب مشروعا، وما اذا كان يشير الى عافية ام مرض، في رده يقول الخبير الاستراتيجي الدكتور حيدر ابراهيم ان كثرة الاحزاب ليست دليلا على التعددية الحزبية الموضوعية (واسميه تضخما حزبيا - كما في الاقتصاد، عندما تختل معادلة العرض والطلب حيث يكون سعر السلعة اكثر من قيمتها الحقيقية)، ويشدد مدير مركز الدراسات السودانية في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف امس على ان هذه الكثرة ليست دليل عافية وصحة، فـ الحزب الحقيقي يفترض فيه برنامجا تفصيليا وواقعيا لمواجهة قضايا تهم الجماهير ولا بد له من اساس فكري يميزه او حتى ايديولوجية، ويطرح الدكتور حيدرابراهيم على نفسه السؤال الأول : هل هنالك فروق واضحة بين هذه الاحزاب الـ 69 المسجلة، والسؤال الآخر: ما هي القوى الاجتماعية او الطبقات الاجتماعية التي انتجت هذا الحزب، ويجيب (المعروف ان الحزب هو تعبير عن مصالح قوى اجتماعية معينة، فهل تعبر كل هذه الاحزاب عن قوى اجتماعية محددة وهل تمتلك هذه الاحزاب كوادر وقيادات مدربة وذات خبرة بالعمل السياسي والبرلماني والحزبي؟) ويضيف بسخرية (في احيان كثيرة تكون لجنتها المركزية وقياداتها هي نفس جمعيتها العمومية وبالتالي لا تستند على جماهير).
بينما يذهب رئيس حزب البعث السوداني محمد علي جادين الى ان الديمقراطية هكذا، قائلا ان الديمقراطية تتضمن ذلك ومن حق اي مجموعة ان تقيم حزبا ويجب ان لا نتخوف من كثرة الاحزاب بل بالعكس هي ظاهرة صحية، فـ هناك مجموعات كثيرة تريد ان تعبر عن وجهة نظرها من خلال منبر حزبي ويجب ان تأخذ فرصتها (المحك هو ممارسة نشاطها واحراز نتائج سياسية واجتماعية)، مشيرا الى ان الحزب يبدأ بفرد واحد. ويقرأ جادين كثرة الاحزاب من زاوية انه يعكس تحولا من النظام الشمولي والحزب الواحد الى التعددية السياسية والفكرية مشددا على ان الحدث كبير ويقول ان هذا التحول جاء نتيجة مخاض صعب وطويل، يتضمن نضال هذه الاحزاب من اجل استعادة الديمقراطية ويتضمن الدور الكبير الذي لعبته اتفاقية السلام الشامل والاتفاقيات الاخرى في هذا التحول الذي هو ليس من الانقاذ وانما انتزعته هذه الاحزاب انتزاعا بنضالها ، ويستدرك جادين في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف امس بالقول ان تسجيل الاحزاب وحده لا يعني التحول الديمقراطي ولا استعادة الديمقراطية، لوجود قضايا كثيرة ما زال فيها صراع مع المؤتمر الوطني بالتحديد، يشمل ذلك القوانين المتعارضة مع الدستور والاتفاقيات وسيطرة المؤتمر الوطني على جهاز الدولة.. ويفسر جادين العددية الكبيرة للاحزاب وتعدد الاشتراك في الاسماء بأن الحزبية السودانية اخذت دورتها وهي الآن تعيش مرحلة تحولات فكرية وسياسية وهذا ما ادى الى الانقسامات مع اسباب اخرى. مشددا على انه ومن خلال الحراك السياسي وضرورات الواقع يمكن لهذه الاحزاب ان تجدد نفسها وتوحد صفوفها في الفترة القادمة، وتوفر المناخ الديمقراطي قد يساعد كثيرا في هذا الاتجاه.
فقط الدكتورحيدر ابراهيم يرى ان هذه الكثرة تعني ان الممارسة الديمقراطية ستشهد مزيدا من الانقسامية والانشطارية والتشتت بينما نحن في حاجة لمشروع قومي شامل يخاطب قضايا الديمقراطية والتقدم الاجتماعي والوحدة الوطنية. مؤكدا ان كثرة الاحزاب لن تؤدي الى الالتفاف والاتفاق حول مثل هذا المشروع القومي.
امر اخير كان لافتا للنظر في شهادات تسجيل الاحزاب وهو الشكل الاحتفالي والكرنفالي الذي تم به تسليم كل حزب شهادته، وحين اتوجه بالسؤال حوله لمحدثيّ لا يختلف الرجلان كثيرا كما اختلفا بعاليه، ويقول جادين ان المظهر الاحتفالي فيه جانبان: الاول ان مجلس الاحزاب يريد ان يعكس انه قدم انجازا وهذا مقدر عندي. الثاني ان الدوائر النافذة في المؤتمر الوطني تريد استغلال هذا الاحتفال وكأنها منحت الاحزاب حرية العمل والنشاط. مشددا على ان المسألة لا تحتاج الى شكل احتفالي، ويقول ان الهدف الثاني فيه خبث سياسي اذ يحاول المؤتمر تجيير المسألة لصالح خطه السياسي والفكري. ليعود ويقول (في الواقع العملي هناك صراع من اجل استكمال التحول الديمقراطي ولا تؤثر عليه هذه الاحتفالية الاعلامية)
ويصف الدكتور ابراهيم الاحتفال بـ واحد من المشاهد المسرحية للتمكين، ويقول (نجحت الجبهة الاسلامية بمسمياتها المختلفة حتى المؤتمر الوطني في ان تفرض رؤيتها على الاحزاب، فنحن لا ننسى ان اغلب هذه الاحزاب رفضت عملية التسجيل، وانتظرت طويلا، الى ان خشيت من استبعادها من الانتخابات، فقبلت بعملية التسجيل، في مشهد مسرحي، كأنه امتداد لعملية التوالي التي وقفت هذه الاحزاب ضدها طويلاً).

.



الأحد، 31 مايو 2009

مبعوثو العالم يتحدون

مبعوثو العالم يتحدون
الخرطوم و المؤتمر الدولي وجها لوجه

تقرير : التقي محمد عثمان

اجتمع قبل يومين المبعوثون للسودان من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن اضافة الى مبعوث الاتحاد الاوروبي بحضور الوسيط المشترك للاتحاد الافريقي والامم المتحدة، واصدروا بيانا اكدوا فيه دعمهم القوي للعملية السياسية بقيادة الاتحاد الافريقي والامم المتحدة بشأن دارفور مشددين على التزامهم بتسهيل هذه العملية بكل السبل المتاحة.
ولا جرم في ان يجتمع الناس للمساهمة في حل معضلة تطاول ليلها، ولا مندوحة في ان تتداعى الامم بالسهر على المؤرقين من ابناء دارفور، الا ان السؤال الذي يتبادر هو: هل يمثل هذا الاجتماع اول الخطوات في الطريق نحو المؤتمر الدولي حول دارفور الذي اندلع الحديث عنه مطلع مارس الماضي وخبا.
ونشير الى ان الخرطوم رفضت دعوة مصر لعقد مؤتمر دولي ابان زيارة وزير الخارجية ومدير المخابرات ـ المصريين ـ في مارس الماضي، واكد وزير الدولة بوزارة الخارجية السودانية علي كرتى وقتها ان الحكومة السودانية تستغرب هذه الدعوة التى تمت دون تشاور وتنسيق مع السودان، قائلا انه لا سبيل لعقد مثل هذه المؤتمرات لانها سوف تقود الى تدويل قضية السودان.. وقال كرتى ان السودان يقوم بالتنسيق الكامل مع الاتحاد الافريقى وجامعة الدول العربية ولا يتحرك بمعزل عنهما،
مما اضطر معه وزير الخارجية المصري احمد أبو الغيط وهو بالمطار مغادرا الخرطوم ان ينفي بشدة أن تكون فكرة المؤتمر الدولي حول دارفور فكرة مصرية، وقال إنها جاءت في قرار صادر عن مجلس الجامعة العربية في 19 يوليو (تموز) 2008. وأضاف أن الجامعة العربية طرحت هذه الفكرة بدعم وتأييد ومبادرة من مصر.
وفي ما يشبه السجال قطع كرتي بأن ما يجري في الدوحة بين حكومته وحركة العدل والمساواة من مفاوضات لحل الأزمة في الإقليم هو تفسير لما كانت قد دعت إليه الجامعة العربية والحديث عن أي منبر آخر شيء جديد باعتبار أن ما تم الاتفاق عليه في الجامعة العربية هو مشاركة إقليمية ودولية تحت السيطرة وليست دعوات لدول بعينها بريطانيا، وأميركا وفرنسا، التي يمكن أن تقرر في مسائل لا ترضى بها الحكومة السودانية، وقال إن ما تم في الدوحة تم برعاية «6» من الدول من بينها مصر، ليبيا، سورية، السعودية وقطر وبمشاركة الاتحاد الأفريقي والوسيط الدولي، (أما أي حديث آخر عن دول بعينها فقد أوضحنا رأينا فيه).
ويقدر مراقبون اجتماع المبعوثين يصب في خانة فكرة المؤتمر الدولي التي طرحها المصريون بايعاز من جهات اخرى، ويقولون ان ما يقره المبعوثون لن يتجاوزه احد سواء كان في المحيط الاقليمي او الداخلي _ حكومة وحركات مسلحة _ وحين اتوجه امس بالسؤال للبروفيسور حسن مكي حول الاجتماع الذي جرى وما اذا كان مقدمة للمؤتمر الدولي يقول عبر الهاتف، انه ابن عم المؤتمر الدولي، بينما يقول الدكتور آدم محمد أحمد عبد الله ـ عميد كلية العلوم السياسية ـ جامعة الزعيم الازهري ان الاجتماع الحالي دعم للتفاوض اكثر مما هو مرتبط بمسألة المحكمة الجنائية الدولية، مشيرا الى ان المبعوثين يتحركون في اتجاهين الاول دعم المفاوضات الحالية بين العدل والحكومة، والثاني اقناع الحركات الاخرى بجدية الحل والجلوس الى طاولة المفاوضات، منبها الى انهم يمثلون الجهات المعنية بحل مشكلة دارفور، والتي لها اثر على الحكومة والحركات المسلحة، ويقول ان اجتماعهم يعني تسريع خطى المبادرة القطرية، ويعني جلب الحركات الرافضة خاصة حركة عبد الواحد لطاولة المفاوضات.
ومن جهته كان الكاتب والمحلل السياسي الدكتور خالد التجاني النور قد ذهب في مقاله الاسبوعي ان اجتماع خمسة زائد اثنين بالدوحة يشير إلى أن بناء تحالف دولي حول دارفور بدأ بالفعل، والتحالف المقصود هنا هو جر الدول التي ظلت تدعم الخرطوم, وهي الصين وروسيا والدول العربية والإفريقية إلى جانب الحلف المشكل من واشنطن، لندن وباريس، وبروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي. وينبه التجاني الى ان الخرطوم قد تفيق على وقع تحالف دولي جديد يتشكل بمنآى عنها لتجد أن واشنطن سحبت أصدقائها التقليديين لصالح موقف جديد سيشكل عنصر ضغط قوي على الخرطوم.
ولكن البروف مكي يرى ان هناك تغييرا في الموقف الدولي عموما، قائلا ان المجتمع الدولي بدأ يكتشف وجود اطراف محلية ودولية تؤثر في المسألة برمتها، ان معركة دارفور تكسب في النقاط وليس بالضربة القاضية.
مشيرا الى ان فرنسا _ التي كانت اللاعب الاساسي ضد السودان اصبح موقفها ضعيفا في المعادلة الدولية، ويتوقف مكي عند ثلاث محطات تؤشر الى ضعف الموقف الفرنسي اولها الوضع في تشاد الذي لم يعد في صالحها وثانيها الانتخابات في لبنان، حيث ظل صوت فرنسا الاعلى، وتدعم قوة من الدرجة الثالثة، بينما تقول الوقائع ان ايران ستكون ذات موقف اقوى في لبنان بوجود القوى المتفوقة وهي متعاطفة مع السودان، وثالثها موقف تركيا المتعاطف مع السودان، الذي لم يؤخذ في الاعتبار على نحو جيد مشيرا الى مواقف فرنسا ضد تركيا في الاتحاد الاوربي وتوليها قضية ارمينيا، حيث مذابح الارمن تشبه الموصوف بها السودان في دارفور..
وينبه البروفيسور حسن مكي الى تطور مهم وهو التغيير في موقف الادارة الامريكية، مشددا على وجود تغييرات في مواقف الدول الكبرى في محاولة للحاق بقضية اصبحت تبدو وكأنها خاسرة.











الأربعاء، 27 مايو 2009

مياه النيل .. ( الغريق قِدّام )

مياه النيل .. ( الغريق قِدّام )


التقي محمد عثمان


تتسم العلاقات المائية بين دول حوض النيل هذه الايام بنوع من القلق بسبب ما تكشف عنه الاجتماع الاخير للمجلس الوزارى لدول حوض النيل من مخاوف قد تؤثر سلبا على التعاون القائم بين دول الحوض، ويكتنف الغموض مواقف دول الحوض في ما يتعلق بالتنظيم الجديد لمياه النيل، اذ دخلت مبادرة حوض النيل في نفق غير معروف مداه بعد ان تعثر التوقيع على الاطار القانونى فى اجتماعات المجلس الوزارى لدول حوض النيل الذى عقد بعاصمة الكونغو الديمقراطية كنشاسا يومي الجمعة والسبت الماضيين، وجاء في الأنباء ان الوفد السوداني برئاسة المهندس كمال علي وزير الموارد المائية والري غادر الاجتماع الوزاري بعد ان احتج على مناقشة بند الأمن المائي ، وقال الوفد إنه من الناحية الإجرائية لا يجب إعادة النظر في هذا البند في اجتماع المجلس الوزارى الاّ بعد مُوافقة السادة رؤساء الدول على ذلك حيث رُفع الامر الى رؤساء دول حوض النيل لحل الخلاف حول صياغته منذ يونيو 2007م،.
وصبيحة تفشي خبر الخلافات اوضح الدكتور كمال علي محمد وزير الرى، ان موضوع اتفاقية الاطار التعاوني الذي تم إدراجه في جدول اجتماعات المجلس قد تمت احالتها إلى رؤساء دول الحوض في الاجتماعات السابقة، لتنظر فيه، وقال وانه كمسألة إجرائية ينبغي أن تتم اعادته رسمياً إلى المجلس الوزاري قبل النقاش حوله مرة أخرى.
وما وضع الامور على جادة الخلاف رفض مصر الموافقة على توقيع الاطار القانوني والمؤسّسي لمياه النيل بدون وجود بند صريح يحافظ على حقوقها التاريخية في مياه النيل وقال وزير الري المصري الدكتور نصر الدين علام في تصريحات له عقب اجتماعات المجلس أن مصر اشترطت للتوقيع على الاطار القانوني والمؤسسي أن تتضمن الاتفاقية في البند رقم «14 ب» الخاص بالامن المائي نصاً صريحاً يتضمن عدم المساس بحصة مصر من مياه النيل وحقوقها التاريخية في مياه النيل، وأن يتضمن البند رقم «8» من الاتفاق الخاص بالاطار المسبق عن أي مشروعات تقوم بها دول اعالي النيل إتباع إجراءات البنك الدولي وأن يتم إدراج هذه الإجراءات في نص الاتفاقية وليس في الملاحق الخاصة بها.
وكان ان قرر المجلس الوزاري لدول حوض النيل باستثناء مصر تأسيس مفوضية حوض النيل لتعمل على الفراغ من المسودة المتعلقة بالمواد المختلف عليها واقتراح لجنة مراقبين دولية تهدف إلى النظر فيها، وذلك بعد أن فشل المجلس في حل خلافاته المتجذرة حول الأمن المائي.
ويعيق الخلاف حول مسألة الأمن المائي لدول الحوض التوقيع على اتفاقية التعاون الاطاري الجديد التي سيكون مقدراً لها حال اجازتها من دول الحوض التحكم في ادارة الموارد المائية فيه.
ويحذر الخبير السابق بالامم المتحدة وزميل الجمعية البريطانية لمهندسي وعلماء المياه والبيئة الدكتور شرف الدين بانقا من خطورة التنازع حول مياه النيل ويقول في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف في الاول من امس ان مبادرة حوض النيل هي مبادرة للتعاون ويجب ان تستمر هكذا لكي تستفيد الدول من منافع النيل حسب خصائص كل بلد ومزاياه وفقا لمبدأ ( لا ضرر ولا ضرار ) منبها الى ان هذه المبادرة اخذت وقتا طويلا وكان ينبغي ان تكون انفذت كلها.
وهنا نشير الى ان مبادرة حوض النيل التي تأسست عام 1999 هدفت الى وضع استراتيجية للتعاون بين الدول النيلية والانتقال من مرحلة الدراسات إلى مرحلة تنفيذ المشروعات، وقد رفعت المبادرة شعار تحسين معدلات التنمية الاقتصادية ومحاربة الفقر، ولأول مرة انضمت كافة دول حوض النيل في عمل مشترك وهي كينيا اثيوبيا يوغندا تنزانيا السودان الكنغو الديمقراطية رواندا بورندي مصر.
وفي سؤالي له عن رفض مصر التوقيع على اتفاقية الاطار القانوني والمؤسسي وما سيترتب عليه يقول الدكتور شرف الدين بانقا انه ما كان على المصريين ان يتملكهم هذا الخوف او ان يقفوا هذا الموقف السلبي الذي لا يعكس منطقا وليس مدعوما بأي قوة اقناع، مشيرا الى ان الرفض المصري ينسف مبادرة حوض النيل من اساسها. لان المبادرة مبنية على الشراكة واستخدام المزايا التي لكل دولة، مثلا السودان يتميز بالخصوبة الارض، واثيوبيا بامكانيات السدود، والغرض اساسا هو استخدام مياه النيل بصورة مثلى وبانجع السبل، ويتخذ بانقا حوض النيل الشرقي نموذجا لحديثه ويقول ان النيل الازرق صاحب معظم الايرادات ويأتي من الحبشة من علو شاهق وبالتالي حجز المياه واقامة سدود في اثيوبيا يعطي سعة كهربائية كبيرة جدا لان الفارق كبير في المياه وفي علو الجبال وبالتالي المياه ساقطة سقوطا يمكنك من انتاج كمية كبيرة من الكهرباء، وهذه الكهرباء لا تحتاجها اثيوبيا كلها ولا تحتاج لحجز المياه للري لان ليس لديها رقعة زراعية تستوعب كميات هذه المياه ليصبح المستفيد من المياه هو السودان ومصر وكذلك هما المستفيدان من الكهرباء، فاذا جرى تنفيذ شبكات ضغط عال من الكهرباء لنقلها الى مصر والسودان فسوف يتمتعان بكهرباء قوة مائية رخيصة الثمن، اضافة الى ان مصر ستستفيد من مياه نقية باقل معدل طمي كانت تجرفه معها، فضلا عن ان السودان كان يفقد 40% من المياه بسبب الطمي. ويقول بانقا ان التخوف المصري قد يجئ من ان مصر اعتادت اخذ كميات من المياه اكبر من الكميات الموجودة في الاتفاقية نفسها واحيانا قد تأخذ اكثر من 80 مليار. مشيرا الى ان ايرادات النيل مبنية على المتوسط ومصر اعتادت على اخذ كل الكمية. وهي تتخوف من ان تفقد حصة السودان غير المستخدمة وفوائض ايرادات النيل التي هي في العادة اكثر بكثير مما هو وارد في الاتفاقية التي تمنح 59 مليار متر مكعب والسودان 18 متر مكعب.
ويؤكد بانقا انه اذا كان الغرض الاساس من المبادرة هو الشراكة بغرض ان يستفيد الكل ولا يضار طرف وان يتم الاستخدام الامثل لمياه النيل فان الدراسات التي وضعها الاستشاري العالمي الذي عهد اليه امر دراسة كيفية تنمية موارد مياه النيل والذي وصل في النهاية الى ان افضل اسلوب للاستخدام هو اقامة سدود على الحدود الاثيوبية. موضحا المزايا في انه يمكن ان يتم صرف المياه يوميا بدلا من وصولها الى السودان في مواسم الامطار والتي تمتد لشهور قليلة. وكانت تخلق مشاكل في خزان الروصيرص وفي غيره وتتسبب في مشاكل الكهرباء، اضافة الى ان اراضي السودان ومصر يمكن ان تزرع على الفصول الثلاثة لان المياه يتم صرفها بمعدلات يومية ولا توجد فترات ليس فيها مياه. مشيرا الى ان هذا المخطط لا يمنع السد العالي من تخزين المياه ولا يمنع السدود السودانية وايضا لا يمنع قيام سدود في مصروالسودان .
ويشدد الخبير شرف الدين بانقا على ان كل من يعتمد آلية العلم والمعرفة لا يمكنه ان ان يعترض على هذا، ويضيف ليس هنالك منطق للمصريين ليرفضوا هذا الامر ويعود لتوضيح فكرة «لا ضرر ولا ضرار» ويقول ان المعاملات المتعلقة بالموارد الطبيعية التي حبانا بها الله تعالى هذه هي قاعدتها الشرعية، وعندما يحكم هذا المبدأ تصبح المسألة محلولة شرعيا، وهذا المبدأ عادل للمصريين وللآخرين، مشيرا الى ان مخاوف المصريين قد تأتي من جهة المعلومات التي كانوا يحتكرونها والتي يظن المصريون ان الناس سيشاركونهم في المعلومات التي كانوا يحصلون عليها من خلال السد العالي حيث كانوا وحدهم يعرفون عبره ايرادات النيل والمعلومات الخاصة بهيدرولوجية حوض النيل وخصائصه هذه المعلومات هي الآن لدى المصريين لان لديهم نقطة التحكم وهذه ستصبح عند اثيوبيا والسودان ومصر عبر هيئة تكون من الدول الثلاث وستكون هي المتحكمة في التشغيل والبيانات وبرامج التنمية وخلافه وبدل ان كان المصريون يستأسدون بالمعلومات يصبحون ضمن هيئة. ويفند الدكتور شرف الدين بانقا اصل هذه المخاوف ويقول (متى اتفق الناس على الهيئة وتم تشكيلها بعدالة وحيادية يصبح ليس لدى المصريين منطق في رفضها).
وفي ورقة علمية بعنوان (مياه النيل بين السياسة والقانون) تشير استاذة العلوم السياسية بجامعة الزعيم الازهري الدكتورة اكرام محمد صالح الى ان من اهم دواعي الصراع بين دول حوض النيل حاجة الدول للمزيد من المياه وتحصي منها، اولا الحاجة المتزايدة الى الزراعة خاصة زراعة المحاصيل الزراعية الغذائية التي تتطلب الري الدائم في ظل ظروف تذبذب الامطار والجفاف. وثانيا مواجهة خطط تطوير استخدام المياه في كل دول المنابع للاستفادة منها في بناء السدود والخزانات، وتوليد الطاقة الكهرومائية.
وثالثا حماية الامن القومي: فقد صرح الرئيس انور السادات في عام 1979م، بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد قائلا: «ان القضية الوحيدة التي يمكن ان تعيد مصر الى الحرب مرة اخرى هي المياه ان الامن القومي لمصر يتمثل في قضية المياه» وفي اثيوبيا، يمكن ملاحظة ان تعرض اثيوبيا للجفاف عام 1972م، ساهم في اسقاط نظام الامبراطور هيلاسلاسي، كما كان للجفاف في عام 1984 ـ 1985م دور في سقوط نظام منقستو هيلا مريام، اما النظام الحالي بقيادة رئيس الوزراء ملس زيناوي، فانه يرى ان مشاريع الري يمكن ان تكفل للبلاد قسطا من الامن الغذائي، كما ان المشاريع الكهرومائية في حوض النيل الازرق تعمل على تسريع وتيرة التصنيع في اثيوبيا، وتساهم في دعم صادراتها الى الاسواق المجاورة.
ورابعا كل دول حوض النيل تتلقى المعونات التي اصبحت الآن ترتبط بمشروعات سياسية قد تمس بسيادة تلك الدول. وخامسا الزيادة الهائلة في عدد السكان: تتفاوت دول حوض النيل التسعة، مصر، السودان، اثيوبيا، كينيا، اوغندا، تنزانيا، بورندي، رواندا، الكنغو الديمقراطية، في تعداد سكانها وفي مساحتها وفي مستوى النمو هذا فضلا عن الاختلاف في التركيبة السكانية والعرقية والثقافية.
وسادسا انعدام الثقة خاصة بين دول المنبع ودولة المصب: تظهر ازمة الثقة بين دول حوض النيل بصورة اكبر عندما تسعى اي دولة من دول الحوض اقامة مشاريع استراتيجية تنموية. وسابعا النزاعات بين دول حوض النيل سواء كانت هذه النزاعات حدودية او غير حدودية لها تأثيراتها على المياه .
وتقول الدكتورة اكرام ان دول حوض النيل على اعتاب مرحلة جديدة ويجب صياغة اتفاقية جديدة بهدف التوصل الى اتفاق جديد بشأن توزيع حصص المياه على كل دول حوض النيل










الخرطوم وباريس .. الحرب اولها كلام

الخرطوم وباريس .. الحرب اولها كلام

تقرير : التقي محمد عثمان


اخيرا وضعت الخارجية السودانية الامور في اتجاه جديد واعلنت ان فرنسا وليس تشاد هي من يقف وراء الازمة الناشبة في حدود السودان الغربية، حيث اتهم المتحدث الرسمي باسم الوزارة السفير علي الصادق، فرنسا بمساندة تشاد ومدها بالمعلومات والمشورة العسكرية للجيش، وجزم في تصريحات صحفية امس بعدم مقدرة تشاد الاقدام على اي عمل عسكري دون هذا السند، محملا باريس مسؤولية ما جرى ويجري الآن بين البلدين.
لتكون الحكومة بذلك قد عبرت الى الضفة الأخرى من الشاطئ الممتلئ بالافيال صاحبة الظلال لتختار اما المواجهة الصريحة ومن ثم تصويب الحديث الى موضعه بدلا من اراقة الوقت وتبديد الجهد في ما لا طائل من ورائه، أو التواري خلف الرمال المتحركة والبحث من جديد عن اتفاقات لا تغني من مشاكسات مع الجارة القريبة تشاد، وفي هذا تقول الصحفية والكاتبة سلمى التجاني في مقالها الراتب بـ الصحافة قبل ايام انه وبدلاً عن بذل الجهود العربية والأفريقية لتحقيق المصالحة مع تشاد، يبدو أنه من الحكمة دخول الدول من أبوابها، والتفاوض مباشرة مع فرنسا في كل ما يتعلق بالشأن التشادي .
ويقول مراقبون ان الاوضاع بين البلدين صارت اقرب الى المواجهة منها الى العلاقات السوية التي قال عنها باتريك كولوزو، سفير فرنسا بالخرطوم، انها علاقة تاريخية، مشيرين الى تصريحات منسوبة للناطق الرسمي باسم الخارجية الفرنسية اريك شوفالييه حول تأييد فرنسا لاعتراض طائرة الرئيس عمر البشير في حال سفره للخارج للمشاركة في قمة الدوحة في شهر مارس الماضي، وتصريحات وزير الخارجية الفرنسي، برنارد كوشنير، قبل يومين حول مسؤولية السودان عن اشعال الصراع مع تشاد وسرعة وتفوق الجيش التشادي في الصد.
ويبدو ان التصعيد الفرنسي يسير بمتوالية هندسية حتى وصل الامر الى التعليق على العمل العسكري من جانب الفرنسيين مما دفع بالناطق الرسمي للخارجية للتأكيد على عدم مقدرة تشاد الاقدام على اي عمل عسكري دون السند الفرنسي (ومدها بالمعلومات والمشورة العسكرية للجيش) مما يعني ان الكلام دخل ساحة اخرى اولها كلام.
ولكن استاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية البروفيسور صلاح الدومة يحذر في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف امس من ان فرنسا دولة عظمى ويجب استخدام الطرق الدبلوماسية معها ويقول ان الحل العسكري مستحيل ولا بد من الدبلوماسية مؤكدا ان الاسفار عن العداء او عدمه لا يقدم ولا يؤخر مشيرا الى ان باريس كانت واضحة ومحددة في طلباتها من الخرطوم ومنها التعاون مع المحكمة الدولية ونشر قوات دولية ووقف دعم المعارضة التشادية وتحسين العلاقات التشادية السودانية، مشددا على ان اي حديث عن العلاقات السودانية الفرنسية دون حل ازمة دارفور سيكون ضربا من الوهم، بينما يذهب الصوارمي خالد مدير مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة الى ان المسألة ربما كانت مرتبطة بنظرية الفوضى الخلاقة التي تعتبر ركيزة اساسية من ركائز الاستعمار الحديث ويقول في مقال له قبل ايام انه عندما تتحدث الأوساط التشادية عن امكانية تدخلها عسكرياً في السودان فإن الامر فيه خطورة من يتحدث بلسان غيره، هذا الغير قد يكون هو دولة متقدمة لها مصلحة عليا في المنطقة، وهذه المصلحة لا يمكن الوصول اليها الا عبر نظام الفوضى الخلاقة! موضحا ان الجيوبولوتيك الذي تتبناه الدول المتقدمة يعرف الدولة الحديثة (الدولة هي الحدود الإدارية والاقتصادية والعسكرية) ويقول انه وبناء على هذا المفهوم فإن دارفور (مثلاً) وهي في تصور الدول المتقدمة ليس للحكومة السودانية لها عليها سلطان كامل من الناحية العسكرية والادارية والاقتصادية، وبالتالي فهي ليست جزءاً من السودان. وبهذا المفهوم ايضاً فإنهم يعتبرون تشاد الدولة ليس بها حكومة تستطيع حسم الامور هناك بالصورة التي تعبر عن الدولة العصرية، وبالتالي هي عندهم بمثابة أرض فالتة مشروعة.
هذا يقودنا الى ان البعض ينظر الى ان الامر برمته يندرج في اطار نزاع الدول الكبرى على مصالحها في المنطقة ويقول البعض ان فرنسا تريد دوراً موازياً للدور الأمريكي في المنطقة يعزز وجودها ومصالحها وتقول الدكتورة بهجة بشير رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الزعيم الأزهري في حديث نشر من قبل أن فرنسا تتخوف من السودان لكي لا يحرض الدول الإفريقية عليها بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية مشيرة الى إن فرنسا تستعيد نفوذها ووجودها في الدول الإفريقية من خلال مناطق الاشتعال وتسعى لفتح قنوات جديدة في منطقة دارفور وهى تطمع في الثروات المعدنية والبترول السوداني.
ولكن استاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية البروفيسور صلاح الدومة يستبعد ان يكون للأمر علاقة بصراع النفوذ بين القوى العظمى ويقول المسألة ليست بهذه البساطة ( وما يحدث الآن لا يدخل في صراع الكبار وانما تبادل ادوار بين امريكا وفرنسا) متسائلا (هل وجد السودان مساندة من امريكا في اختلافه مع فرنسا) ليعود ويقول في كل الاحوال تدفع دول العالم الثالث الثمن سواء اختلف الكبار او اتفقوا .




















هل لجرح ميت ايلام .. ؟!

هل لجرح ميت ايلام .. ؟!


تقرير : التقي محمد عثمان


في حوارين منفصلين تحدث الرئيس الارتري اسياسي افورقي لوسيلتي اعلام سودانيتين عن مسائل ومشاكل سودانية، وقال انه سيركز على القضايا الجوهرية في السودان، من اجل تجاوز (هذه المحنة) التي يعيشها، داعيا الى ان يكون هناك توجهاً وطنياً واحداً - رغم التباينات - لخلق نظام سياسي يستوعب كل الخيارات.
وفي حديثه لوكالة السودان للانباء قال أن قضايا التهميش والتنمية والدستور وتقاسم السلطة والثروة كان يجب حلها بعيداً عن التدخلات الخارجية، وذهب في حديثه لصحيفة الرأي العام الى ان التناحر الداخلي في جنوب السودان والمناخ الاقليمي والتجاذبات والتدخلات الخارجية ستخلق من جنوب السودان مستنقعاً، وتحدث عن الحركة الشعبية وقال ان غياب قرنق اثر سلباً على ظروف الحركة وقدرتها التنظيمية، وان التجربة كانت لتكون أفضل باستمرارية واضحة بدلاً من ان تكون هناك فجوة وتكون هناك مشكلة، مضيفا (وحتى الضبابية وعدم الوضوح في الرؤية قد تكون ناتجة عن هذا الفراغ).
وبنظر بعض المراقبين فان الرئيس الارتري تدخل في ما لا يحق له التدخل فيه، وانه ليس من حقه الحديث في شأن سوداني على هذا النحو بعد ان لم تعد ارتريا ذات تاثير على مجريات الامور فى السودان بعد عودة التجمع الوطني الديمقراطي الى الداخل وتوقيع إتفاق سلام الشرق بين الحكومة وجبهة الشرق، وبنظر البعض الاخر ان ما يجري من حديث عن السودان يتم على طريقة ما جرى في قول ابي الطيب المتنبي (من يهن يسهل الهوان عليه * ما لجرح ميت ايلام ) باعتبار ان قضايا السودان صارت مضغة يلوكها كل فم، واراضيه صارت مطية لكل راكب، مدللين على حالة الهوان باعلان تشاد قبل يومين على لسان وزير دفاعها ادم يونسمي ان الجيش التشادي انسحب من السودان بعد ما قام “بتطهير كل جيوب” المتمردين،. وقوله انهم مارسوا حقهم في الملاحقة، و ( لقد طهرنا كل جيوب المرتزقة داخل السودان بعمق يراوح بين اربعة كيلومترات واربعين كلم، لا يهمنا عمق الاراضي خارج الحدود).
واذا سلمنا بوهن اصاب السودان فمن أين منبعه ؟، البعض يرجعون الامر الى بنيه الذين مارسوا المعارضة الجزافية كما يصفها الدكتور عبد الله علي ابراهيم ويقول عنها ان أكثر همها كان التخلص من النظام القائم كيفما اتفق (أما تخيل الوطن السعيد المستعاد من الظالمين فهي مهمة لاحقة قد لا تأتي أصلاً)، ويقول مراقب تحدث لـ الصحافة امس ان المعارضة هي من اسهم في تدخل الدول الاخرى في خصيصة الشأن السوداني دون وازع، من لدن مقررات اسمرا مرورا بقصف مصنع الشفاء وانتهاء بالمعارضة الدارفورية الحالية، اضافة الى ان الحكومة لعبت الدور المعلى في هذا الشأن حين دعت معارضيها الى مطالعتها الخلاء.
ولكن مسؤول الاعلام الخارجي الدكتور ربيع عبد العاطي يرفض الامر جملة وتفصيلا ويقول ان الحكومة ليست ضعيفة وقد تكون هذه الدول التي تتجنى على السودان الآن مدفوعة بقامات خارجية لانها ليست في قامة السودان، مشددا على ضرورة مراعاة حسن الجوار لان العلاقات لديها حدود ( ولا ينبغي التدخل في الشؤون الخاصة بالدولة، وان كانت هناك وساطات فلا ضير اما التدخل في الشأن الداخلي بشكل سافر وممارسة نوع من الاستقطاب هو مرفوض تماما وغير مقبول تماما) ويرد الدكتور ربيع عبد العاطي التدخل في الشان السوداني الى فتح المجال لكل من هب ودب ليتحدث في الشأن السوداني وحدث ذلك منذ ان سمحنا بالقوات الافريقية وبالمبعوثين باسم الوساطة وسمحنا حتى للدول الصغيرة والضعيفة بالتدخل ، ماضيا الى القول (في ما يبدو ان التدخلات الكثيفة من الدول الاخرى هي التي اغرت الدول الصغيرة مثل تشاد وغيرها بمصادمة السودان وربما كانت مدفوعة بدول اخرى).
بينما يذهب نائب رئيس المجلس الوطني والقيادي بالحركة الشعبية اتيم قرنق الى القول ان الشعب السوداني لا يحتاج الى وصاية من احد لا من جيرانه ولا من بعيدين منه، قائلا في حديثه لـ الصحافة عبر الهاتف امس ان ما نحتاج اليه نصيحة صادقة من الجيران تنبع من مصلحة الجيرة نفسها ، مشددا على السودان ليس في حاجة الى وصاية من احد (فهم ليسوا ادرى بشؤوننا منا) ويقول (نحن ادرى بشؤوننا اكثر من الآخرين).
ويعلق عبد العاطي على احاديث افورقي بالقول (ينبغي ان لا نحملها محمل التدخل وفي كثير من المرات يكون الحديث بحسن نية) ليعود ويقول ( وان لم يتوفر حسن النية فهو مرفوض).
ويرفض قرنق حديث الرئيس الارتري عن الوحدة والانفصال ويقول (الحكم في السودان شأن سوداني والتطور في السودان وحدة ام عدم وحدة في يد السودانيين)، مشددا على ان مشاركة دول الجوار في الوساطة لا يعطيهم الحق في ان يرشدوننا الى ماذا نفعل، مضيفا ( وعندما نطلب رأيهم او مساعدتهم سنستمع لهم في هذه الحالة وخلاف هذا لا) نافيا وجود ضبابية في رؤية الحركة (لا توجد ضبابية في رؤية الحركة ومبادئها التي قامت عليها، ولا نحتاج لان نشتري مكبرات نظر من احد حتى نزيل الضبابية من عيوننا).

الخميس، 14 مايو 2009

الخرطوم وانجمينا .. رحنا أم اتينا .. !!

الخرطوم وانجمينا .. رحنا أم اتينا .. !!

تقرير : التقي محمد عثمان


وقّع السودان وتشاد اتفاقا جديدا لتطبيع العلاقات بينهما للمرة السادسة في غضون ثلاث سنوات، بمعدل اتفاق لكل ستة اشهر، لينفتح الباب للتساؤل حول حظوظه من التنفيذ وتحقيق نتائج على ارض الواقع المستعرة بين البلدين لآماد، وحظوظه المضادة من التقاعس وما اذا كان سيندرج في خانة العهود والمواثيق المنقوضة عقب التوقيع عليها مباشرة .
اذ تشير الوقائع القريبة والغريبة الى توقيع خمس اتفاقيات سابقة اولها اتفاق طرابلس الموقع في الثامن من فبراير 2006 ، ثم اتفاق الخرطوم الإطاري والبروتوكولات الملحقة يوم 28 أغسطس ،2006 ثم إعلان كان يوم 15 فبراير2007، ثم اتفاق الرياض في الثالث من مايو 2007، واخيرا اتفاق داكار في 14مارس 2008 ، فضلا عن لقاءات قمة أُظهرت فيها النيات الحسنة وبذلت فيها الوعود باشاعة السلام بين البلدين، ولم يقد كل توقيع الا الى توقيع آخر، مما عده مراقبون من الظواهر النادرة في العلاقات الدولية.
وتأتي اهمية تلافي اوجه التأزم بين الخرطوم وانجمينا من اجماع الجميع على استحالة تحقق استقرار في اقليم دارفور المضطرب دون التوصل الى لجم احصنة الانفلات في العلاقات بين دول الجوار، وتحديدا السودان وتشاد، وهنا يقول جبريل باسولي الوسيط المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي ان المصالحة بين السودان وتشاد تمثل عاملاً مفيداً وأساسياً في تحقيق سلام إقليم دارفور، مشددا في حديثه قبل التوقيع الاخير بقليل، على اننا نحتاج بالفعل لمثل هذه المحادثات والمشاورات ما دام هدفها السلام والاستقرار في السودان وتشاد وفي مناطق الحدود بينهما، بينما يدعو رئيس جنوب افريقيا السابق ثابو مبيكي الذي يرأس لجنة وساطة تابعة للاتحاد الافريقي من اجل الازمة في دارفور، الى "تطبيع العلاقات بين التشاد والسودان" لاحلال السلام في دارفور، وقال مبيكي في مؤتمر صحافي في مقر الاتحاد الافريقي في اديس ابابا قبل يومين "ينبغي تطبيع العلاقات بين التشاد والسودان، والا سيصعب ايجاد حل لازمة دارفور".
ومع ذلك فمن الواضح ان الاتفاق تتهدده الكثير من المطبات، تتصدرها ما عبر عنه الموقعون على الاتفاق من مخاوف، رغم التفاؤل الذي حاولوا اضفاءه على الاجواء الاحتفالية، اذ اكد الموقع عن الحكومة السودانية وزيرالتعاون الدولي الدكتور التيجاني صالح فضيل، ان التحدي الراهن يتمثل في كيفية تفعيل الاتفاق الذي تم التوصل اليه بعد فشل الاتفاقات السابقة التي وقعها البلدان، وقال وزير العلاقات الخارجية التشادي موسى الفكي إن الطرفين تطرقا خلال الاجتماعات الى مجموعة من القضايا الأساسية، منها اعادة الثقة وتطوير الآليات لتطبيق الاتفاقيات على الأرض، وقال الامين السياسي بالمؤتمر الوطني محمد مندور المهدي للصحافيين اول امس ان الحكومة وافقت على المبادرات السابقة ووقعت على الكثير من الاتفاقات ولكنها باءت جميعا بالفشل الذريع، وبنظر مراقبين فان الاتفاق الجديد لم يخرج كثيرا عن سابقيه عدا عن اضافة قطر الى آلية داكار المكونة من ليبيا والكونغو والسنغال والغابون وإريتريا وهي المجموعة المكلفة بمتابعة وتنفيذ اتفاق داكار بنية حسنة ومراقبة أي انتهاكات محتملة عبر اجتماعات مرة في كل شهر في إحدى عواصم الدول أعضاء المجموعة، ونصت ابرز بنود الاتفاق الجديد على ضرورة تنفيذ التعهدات التي وقعت بين الجانبين في اوقات سابقة، وهو البند الذي يمكن ان نقرأه بالنص في البند الثاني من اتفاق داكار الموقع عليه بين رئيسي البلدين في 14مارس 2008 مؤكدين فيه (احترام التعهدات السابقة)
وعزز التطور الذي حدث امس من احتمالات الانحدار الى الدرك السحيق من الغزو والغزو المضاد على مشارف العواصم، اذ لم يمض يومان على التوقيع على الاتفاق الجديد، حتى تبادل البلدان الاتهامات، وقال بيان صادر عن وزير الاعلام التشادي محمد حسين "بينما لم يجف بعد المداد الذي وقع به اتفاق الدوحة حرك نظام الخرطوم عدة قوافل عسكرية ضد بلادنا". واتهم الخرطوم بـ"العدون المخطط"، وفي المقابل، قال المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية لوكالة فرانس برس ان السودان "ليس له اي صلة" بالهجوم العسكري على تشاد. واوضح العميد الدكتورعثمان الاغبش ان "ما يجري حاليا في تشاد يتعلق بالجيش التشادي والمتمردين التشاديين. وليس للسودان اي علاقة بذلك"، بينما اصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانا يحمل قدرا كبيرا من التفاؤل بامكانية تجاوز ما حدث رامية الاتهام على جهات لم تسمها قائلة ان لها مصلحة في تدهور الاوضاع بين البلدين ، مؤكدة ان تلك الجهات ليس من مصلحتها اعادة اعمار العلاقة بين البلدين لأنها مستفيدة من حالة التدهور التي تحدث.
وزيادة على ذلك، يدعو فشل تطبيق الاتفاقات السابقة الى التشكك في احتمال نجاح الاتفاق الاخير رغم الآمال المعلقة عليه، ويرجع الباحث المصري هاني رسلان فشل الاتفاقيات والمساعي لاحتواء التوتر بين الخرطوم وأنجمينا إلى كون هذه الاتفاقيات اتجهت إلى معالجة نتائج أو مظاهر التوتر في العلاقة بين الخرطوم وأنجمينا، في حين أنها لم تقترب من المصدر الأساسي لأزمة دارفور، ويشير رسلان في مقال صحفي الى ان السبب يعود لعجز الرئيس التشادي عن السيطرة على الاوضاع في بلاده ، ويقول (كان من الواضح لأي مراقب أن إدريس ديبي عاجز عن الالتزام بأي اتفاق مع السودان، لأن الدعم لمتمردي دارفور يتم رغماً عن إرادته، حيث أصبح غير قادر في السيطرة على أبناء قبيلته الذين حاولوا تدبير انقلاب ضده العام 2005 للإطاحة به لأنه لم يكن موافقًا على تقديم الدعم للحركات المسلحة في دارفور).
بينما يرجع الخبير الاستراتيجي الدكتور حسن حاج علي الفشل الي تعقيد آخر، ويقول في ورقة له قدمها بالمؤتمر الاول لجمعية العلوم السياسية في نوفمبر الماضي ان التحدي، بالنسبة للسودان في ما يتعلق بامن حدوده الغربية، يتجلى في وجود شبكات عديدة ذات اهداف مختلفة ( تتكون هذه الشبكات من فاعلين ناشطين يشملون حكومات ومنظمات ومرتزقة وامراء حرب ومليشيات وشركات ومغامرين ) ويوضح حاج علي ان كل شبكة من هذه تسعى الى تحقيق اهداف سياسية واقتصادية وجيوسياسية واجتماعية متباينة حينا ومتقاطعة احيانا اخرى ، مؤكدا ان مساعي فض النزاع تتطلب مدخلا شاملا يتعرض لواقع هذه الشبكات.